لم تعد مواصلة المرأة لعملها بعد الزواج شرطا أساسيا لعقد قرانها، حيث أفرزت التحولات التي شهدها المجتمع الجزائري في ما يخص ولوج المرأة لسوق العمل وتعدد مسؤولياتها، انعكاسات سلبية، بسبب عدم استقرارها الأسري واتهامها بالإهمال في ظل قوانين لا تراعي ظروف المرأة، وفي مقدمتها فترة عطلة الأمومة.

فضلن الاستقرار الأسري في ظل قوانين مجحفة لا تراعي حاجيات الأم والطفل

يعرف مجال عمل المرأة في الجزائر منحى تصاعديا خلال السنوات الفارطة في إحصائيات تؤكد تبوّء المرأة الجزائرية مناصب هامة في الدولة، إلى جانب وجود نسبة كبيرة فاقت عدد الرجال، خاصة في قطاع التعليم والتعليم العالي والصحة. إلا أن هذا الكم الهائل من النساء العاملات أفرز إشكالية معاناة عدد معتبر منهن بسبب صعوبة التوفيق بين العمل في البيت وخارجه.

بوبنية أستاذة تعليم متوسط: “عشت سنوات من المعاناة والنتيجة إصابة أبنائي بالأمراض”

تروي أستاذة التعليم المتوسط  بمحافظة بومرداس شرق الجزائر، السيدة بوبنية، تجربتها مع عملها وتربية أبنائها، حيث قالت: في الحقيقة، للأستاذة حق الاستيداع عاما إلى خمس سنوات لتربية الأبناء، هذا فقط للتي تكفيها أجرة زوجها، أما المسكينة المضطرة للعمل، فتترك ابنها ذي الثلاثة أشهر للحاضنة، مستفيدة من ساعتي الإرضاع في الأماكن القريبة، إلا أن المدارس لا تأخذ بهذا القانون”

وعن تجربتها، قالت الأستاذة “لديّ ثلاثة أبناء، وكنت أدرّس وأكمل دراساتي، والحقيقة أنّني أصبحت قاسية القلب، فكلما كان لديّ أبناء وهم صغار أغطيهم وأحملهم عند جدتهم في الشتاء والأمطار والبرد، وهي إحدى الأسباب التي جعلت ابنتي تصاب بالتهاب الرئة. وأحمل الثانية ذات العام إلى الحضانة، حيث آخذها معي في الحافلة”.

غنية حليمي الصحفية : “الضغط أثر على نفسيتي وعلى عملي”

ومن جهتها روت السيدة غنية حليمي، وهي صحفية، تجربتها مع العمل في الصحافة، وهي المهنة التي تتطلب الكثير من التركيز، ومع تربية ابنها ذي السنة. حيث تحدثت عمّا تعانيه مع أعباء ومسؤوليات البيت، وأكدت أن صعوبتها تفوق بكثير ما تواجهه خلال عملها طيلة اليوم، فأكثر ما يجهد المتحدثة أثناء يومها ليست تلك الساعات التي تقضيها في الجريدة، وإنما تكمن في مسؤوليات البيت التي “لا تنتهي”، فبين توظيب البيت وتنظيفه، وإعداد وجبة الفطور، وبين تنظيف الملابس، وتحضير وجبات الطعام، وكذا متابعة احتياجات الزوج، تجد السيدة غنية نفسها جدّ منهكة، -كما تقول- أكثر بكثير مما ينهكها العمل في المؤسسة، وهو ما جعلها فعلا تعتبر أن المكوث في البيت عمل، تماما كأي عمل خارجه.

بالمقابل، انتقدت محدثتنا العطلة القصيرة التي تستفيد منها العاملة في الجزائر والمقدرة بـ98 يوما والتي لا تكفي الابن ليأخذ القسط الكافي من الرعاية. حيث اضطرت غنية إلى الاستعانة بمربية.

59  بالمائة من الموظفين الجدد في المؤسسات العمومية نساء

انتقلت نسبة النساء العاملات في الوظيفة العمومية بالجزائر من 26 بالمائة، لتناهز إلى  نسبة 38.47 بالمائة خلال سنتين. 22.1 بالمائة فقط في مناصب سامية للدولة، بمعدّل تطوّر قدّر بـ 0.61 سنويا، وهي نسبة متثاقلة.

وتتوزع هؤلاء العاملات على قطاع التربية الوطنية بنسبة 55.6، والصحة العمومية بـ 54.52 بالمائة، أمّا قطاع التعليم العالي فبنسبة 46 بالمائة والقطاع القضائي 44.68 بالمائة.

وعلى النقيض من هذه النسب المرتفعة، تسجل المرأة حضورا ضعيفا جدا في الأسلاك الأمنية وذلك بنسبة 6.5 بالمائة في الأمن الوطني و3 بالمائة في الحماية المدنية و22.7 بالمائة في الجمارك و10.7 بالمائة في المؤسسات العقابية.

هذا، ولا تتعدى نسبة إسهام المرأة في سوق العمل في ما يتعلق بالشق الاقتصادي والمقاولة 19 بالمائة. وهي نسبة ضئيلة جدا تعمل الجزائر على رفعها وتطمح في هذا الشأن إلى بلوغ 59 بالمائة.

98  يوما عطلة أمومة ولا مجال لتمديدها

ترفض الحكومة الجزائرية تمديد عطلة الأمومة المقدرة قانونا بـ98 يوما في ظل مطالب تدعو إلى ضرورة تمديدها من باب مراعاة العامل النفسي للمرأة مثلما هو مطبق في عديد البلدان. يأتي هذا في وقت يؤكد فيه مسؤولون أنه لا يوجد أي مشروع لمراجعة عطلة الأمومة في شقها المتعلق بمدة التوقف عن العمل القابلة للتعويض من باب أن  الجزائر اعتمدت هذا الإجراء المكرس في قانون العمل، على غرار ما هو معمول به في جميع الدول.

 الجامعة الجزائرية تراعي عمل الأستاذة وتساعدها في المحافظة على منصبها

قال عبد الحفيظ ميلاط، المنسق الوطني للمجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي، في  أن الجامعة الجزائرية توفر كل أجواء الراحة للأساتذة، مما يجعلهن في منأى عن فقدان مناصبهن قائلا : “المشكل غير مطروح تقريبا في الجامعة لأن عدد ساعات العمل في الجامعة يتراوح بين 3 إلى 12 ساعة أسبوعيا، وبالتالي فالأم المرضعة الموظفة كأستاذة جامعية، تجد الوقت الكافي لرعاية الرضيع والتمسك بعملها في نفس الوقت، أو بتعبير آخر يمكنها التوفيق  بين الالتزامين”.

في المقابل، عاب النقابي عبد الحفيظ ميلاط  القوانين المنظمة للعمل في الجزائر والتي لا تتيح للمرأة وقتا كافيا للعناية بأسرتها قائلا:

“عطلة الأمومة المقدرة بـ 3 أشهر لا تكفي المرأة، خاصة بالنسبة لرعاية الرضيع الذي يحتاج رعاية كبيرة من قبل الأم طيلة فترة الرضاعة التي تمتد لأكثر من سنتين. كما أن تطور الأسرة الجزائرية من الأسرة الكبيرة المكونة من الجد والجدة وحتى الأعمام، إلى الأسرة الصغيرة المكونة من الوالدين والأطفال فقط ساهم في تفاقم هذه المشكلة.

لذلك نجد أنه في الكثير من البلدان قد تم تمديد عطلة الأمومة إلى 6 أشهر، وفي بلدان أخرى إلى غاية سنتين. مضيفا أن الأم العاملة بعد انتهاء عطلة الأمومة المقدرة بـ 3 أشهر تجد نفسها بين خيارين صعبين، إما ترك رضيعها عند دور الحضانة أو سيدات يقمن بهذه المهمة، أو ترك عملها للاعتناء برضيعها”.

 5 بالمئة من موظفات الإدارة قدمن استقالتهن للتفرغ لأسرهن

يقول ممثل النقابة الوطنية لمستخدمي الإدارة العمومية ورئيس الاتحادية الوطنية لعمال البلديات، عز الدين حلاسة: “المرأة  في الإدارة الجزائرية تلعب دوراً قيادياً في أكثر من موقع، وعليه يمكن أن توصف المرأة بالمحاربة فيما يختص بالمحاولة لتحقيق التكامل في جميع الأدوار التي تقوم بها، وهذا ما يغني تجربة المرأة القائدة.”

كما أشار إلى أن الموظفة في الإدارة الجزائرية تمثل 70 بالمئة من مجموع العمال المقدر بمليون ونصف عامل، وقد أثبتت جدارتها في تولي مناصب قيادية، إلا أن هناك معوقات تحول دون تمكن هذه الأخيرة من أداء مهامها على أكمل وجه، خاصة بالنسبة للموظفات المتزوجات اللواتي يجدن صعوبات بالموازاة مع القيام بواجباتهن داخل البيت وخارجه.

وفي هذا السياق، سلط السيد حلاسة الضوء على ما تعانيه الموظفة المستفيدة من عطلة الأمومة المقدرة بـ 98 يوما، مشيرا إلى أن أغلبهن غير راضيات على الفترة التي تمنح لهن، مما يضطر العديد منهن إلى إضافة أشهر أخرى للعناية بأبنائهن، فيما تجد أخريات أنفسهن مجبرات على تقديم استقالتهن والتفرغ للأبناء.

وكشف عن أن نسبة 5 بالمئة من الموظفات بالإدارة الجزائرية يستقلن لعديد الأسباب، في مقدمتها التفرغ للعائلة، وهي أسباب -يقول محدثنا- مقنعة نظرا للمدة القصيرة التي يقضينها خلال فترة عطلة الأمومة.