تحيي العائلات القبائلية، منذ زمن قديم، مناسبات مختلفة من حفلات وأعراس بطرق جميلة ومميزة، جعلتها تنفرد بها عن باقي الولايات، خاصة بالنظر للحماس الذي يترك الغريب عن المنطقة يندهش من عادات وتقاليد قديمة جميلة وذات قيمة تمارس في كل مناسبة، ومنها ازنزي الحني، موكب الأحصنة واكرزي.

التي أخذت تعود من جديد لتمارس في الأعراس خاصة التي تقام بالقرى، حيث يجتمع الناس للاحتفال بيوم مميز بالنسبة لصاحب العرس، وكذا بالنسبة للقرية التي تحاول عبر هذه المناسبات اطلاع الضيوف والأجانب على عاداتها وتقاليدها المتوارثة.

تسعى العائلات القبائلية إلى استغلال الأعراس كمناسبات مهمة لإحياء عاداتها وتقاليدها المميزة والموروثة، فبعد أن عصفت بها رياح العصرنة، تبين لها أخيرا أن العودة للأصل وإلى كل ما هو تقليدي وموروث ينم عن احترام كبير للأجداد، ناهيك عن جمال تلك العادات والقيمة الكبيرة التي تكتسيها. ومن هذه العادات التي أخذت تمارس بقوة مؤخرا في القرى وحتى في المدن ما يسمى “أكرزي”.

“أكرزي” لباس العروس الأصيل ينافس الفستان الأبيض

تقول السيدة “نجية” التي تمارس الخياطة منذ 30 سنة، أن اللباس التقليدي القبائلي يحظي بمكانة هامة ويظهر ذلك من خلال الطلب الكبير على هذا اللباس الجميل بألوانه وموديلاته التي تتفنن الخياطات في إبداعها كل سنة حتى تبقى الجبة القبائلية حاضرة وتحافظ على مكانتها وتنافس مختلف الألبسة العصرية. وتضيف المتحدثة، أن اللباس القبائلي حظي منذ القدم بمكانة هامة، ويظهر ذلك في الموديلات المختلفة التي تتفنن النساء بقرى ولاية تيزي وزو وحتى في الوسط الحضري في خياطتها وإبداعها بأشكال وألوان مختلفة تجلب الأنظار، وهو ما يجعل اللباس التقليدي القبائلي مطلوبا بكثرة خاصة مع إدخال بعض التغييرات في التصميم والألوان التي جعلته يواكب العصر ويضمن بقاءه وأناقته.

من جهة أخرى، تضيف المتحدثة أن الجبة القبائلية حافظت وما تزال تحافظ على مكانتها، فبعدما كانت الجبة تلبس في الأعراس والحفلات فقط، أصبحت اليوم لباسا يوميا للمرأة داخل وخارج البيت، زيادة على المناسبات، مع تحديد نوعية الجبة القبائلية الخاصة بكل مرحلة إذ هناك ما يلبس بالمنزل، وآخر خاص بالتسوق، وهناك أيضا الخاص بالنزهة وكذا اللباس الخاص بالحفلات والأعراس الذي يتميز بجماله من حيث القماش والألوان، ويذكر أن هذا اللباس يختلف من منطقة لأخرى، فمثلا جبة بوزقان ليست نفسها جبة واضية أو اعزازقة ومعاتقة، وهذا التنوع ساهم في حفاظ الجبة على مكانتها ليتم إدراجها في تصديرة العروس على المستوى الوطني ولا يقتصر الأمر على منطقة القبائل فحسب وهذا ما تؤكده الطلبات التي تستقبلها ورشات الخياطة.

ورغم ما طرأ على حياة المرأة القبائلية من تغيرات إلا أنها لم تنس عاداتها وتراثها بـ”اكرزي” وهو اللباس الخاص بالعروس، الذي ترتديه عندما تزف لبيت زوجها، حيث أخذت هذه العادة تعود بقوة لينافس “أكرزي” بذلك الفستان الأبيض، والذي يبرز بقوة مدى تمسك سكان منطقة القبائل بتراثهم.

ويتمثل هذا اللباس، في ارتداء جبة قبائلية بيضاء اللون جميلة بألوان مختلفة مع وضع حلي فضية تتزين بها العروس، ثم يوضع فوق رأسها ما يسمى بـ”امندل” الذي يطرز باليد عن طريق وضع أشكال جميلة يربط به جبهتها، ويضاف بعدها “الحايك” ثم “ثمحرمت لحرير” لتغطية وجهها ويوضع للزينة ما يسمى بـ”ابروش الفطة” على جبتها التي تتوسط باقتين من الريحان تسمى بـ”لاحبق”. وكان في القديم يوضع في جبهة العروسة مرآة، وحسب المتقدمات في السن، فإن هذه العادة كانت تمارس في وقت لم تكن السيارة موجودة لاستغلال البوق، حيث عندما تضرب أشعة الشمس في المرأة تعكس ضوء والذي يمكن مشاهدته من بعيد وبهذا تدرك عائلة العريس بقدوم العروس ليتم الاستعداد لاستقبالها، واليوم رغم وجود السيارات يمكن عن طريق سماع البوق معرفة وصول العروسة، لا تزال المرأة توضع مثل القديم لتحمل على ظهر الحصان.

موكب الأحصنة والعربة ينافس المركبات الفاخرة و”الليموزين”

رغم التطور الذي عرفه عالم السيارات التي يتم كراؤها لجلب العروس، إلا أن ذلك لم يقلل من إقبال العائلات بمنطقة القبائل على الحصان والعربة مثلما كان سائدا في القديم، حيث بدأ الإقبال مؤخرا على العربة التي يجرها الحصان يزداد وبقوة. مثلما هو الحال بقرى اث زكي، اث عيسي وملاثة بازفون وغيرها من القرى التي باتت تتنافس عل أجمل الأحصنة والعربات المزينة، وعمدت العائلات إلى إحياء العادات القديمة، التي تكون جميلة بمنظرها عندما تغادر العروس بيت أهلها وهي ترتدي “اكرزي” الذي يزيد العروس سحرا وجمالا ويخلق نوعا من الشوق لرؤيتها وهي فوق العربة التي يجرها الحصان،وكأنها رحلة من زمن الأميرات.

ولقد أخذ الشباب مؤخرا يلجأون لإحياء عادة الأجداد، إذ يستعينون بحصان مخصص لكل الحفلات ليتم تجهيزه وتجنيده طيلة موسم الصيف الذي أصبح مهنة ومصدر رزق العديد من العائلات خاصة التي تملك مزارع الأحصنة التي يتم كراؤها أشهرا عديدة قبل حلول تاريخ الزفاف، مثلا بقرية “ملاثة” ازفون، حيث يقول احد مالكي الأحصنة التي يتم كراؤها مع العربة في حفلات الزواج، إنه بمجرد حلول الصيف يعقد السكان اجتماعا بتاجمعت نتادرث لتحديد مواعيد الأعراس المبرمجة، حتى يتسنى للجميع جلب العروس وفقا للعادات القديمة، وأيضا لتفادي تصادف عرسين في يوم واحد.

وما يزيد في جمال هذه العادات العريقة، عادات أخرى منها

“ثقفافث” التي تتبع العربة وراءها، وهي عبارة عن مجموعة من النساء والرجال يسيرون وراء الحصان الذي يقل العروس، حيث تطلق النساء العنان لألسنتهن بالزغاريد والرجال بالبارود، بينما يعزف فريق “اظبالن” أنغاما جميلة ورائعة على طول الطريق إلى غاية بلوغ منزل العريس، حيث يكون الترحيب وفقا للعادات ليبدأ الاحتفال الكبير في السهرة التي تمتد إلى غاية الفجر.

وتأتي بعدها اللحظة الجميلة، عند وصول العروسة التي تقتضي العادة أنه يجب أن تدخل بيتها برجلها اليمنى، حيث هناك من يضيف عادة أخرى وذلك بوضع إناء مصنوع من الفخار به ماء أمام عتبة البيت لتوقعه العروس برجلها، وبكسره يعني أنها جلبت معها الأمان كما أن هناك من تكسر البيض على أحد جدران المنزل، في حين تكفي أخرى بإعطاء العروس الحليب أو الماء وقليل من العسل. ثم هناك عادة معروفة بقوة وذلك برمي الماء ثلاث مرات وراءها وبعدها خليط من المكسرات والحلويات التي تتبعها الزغاريد وإطلاق البارود والرقص على أنغام “اظبالن” لتدخل بعدها العروس بيتها مرحبا بها.

“ازنزي الحني”،، مدح للعروسين واستمتاع بلحظات الضحك

كذلك هناك عادة “ازنزي الحني” التي تعد من المحطات الجميلة التي ينتظرها سكان القرى والمدعوون للحفل للاستماع لأهازيج جميلة تمدح العروسين وتذم الزوجة التي تتهاون في خدمة زوجها وحماتها، حيث تخلق هذه المحطة لحظات من الضحك والغضب من حين لأخر لأن الذي يردد الأشعار يسمع الحضور أبياتا تجمع الهزل بالعتاب والمدح بالذم  لتخلق كلمات وجملا معبرة قد تفرح البعض وتغضب البعض الأخر، حيث يعبر قائلها بكلمات مختارة عن واقع معاش عن العلاقات التي تسود الأسر، خاصة علاقة الحماة وزوجة الابن، الصديقات، الزوج وزوجته، حب الجدة لأبناء بناتها أكثر من حبها لأحفادها من أولادها الذكور، أمور مختلفة يصنع منها المختص في ازنزي الحني مواضع لإحياء السهرات في فترة استراحة “اظبالن” التي تعقبها فترة الحنة، ووسط ديكور يختزل تراث منطقة القبائل التي تتوسطها طاولة مغطاة بـ”الفوطة” التي لها رمز ودلالة بالمنطقة، يوضع صحن من الفخار ليخلط فيها الحنة والبيض ووعاء من الفخار به ماء، وشموع معطرة، يطلق صاحب ازنزي الحني العنان للسانه ليقرأ أشعارا جميلة والتي بعد نهاية كل بيت تتبعها النساء بزغاريد وسط فرحة وفرجة تخلق نوعا من الحماس في الحفل الساهر الذي يرقص الكبير والصغير فرحا بتقاسم هذه اللحظات الجميلة التي تجمع الأحباب والأقارب.

ويعتبر العديد من القرويين هذه العادة جميلة ومحببة كونها تدخل الفرحة إلى قلوب المدعوين الذين لا يمكن لأحد منهم تمالك نفسه دون الضحك وهو يسمع لتلك الأشعار، كما أنها محطة تهيئ لمرحلة أجمل وهي عند ربط الحناء للعروسين التي تتبع بتوزيع حلويات متنوعة، كذلك هناك من يقوم خلال مرحلة ربط الحناء بجمع المال الذي يطلق عليه اسم “الخير” الذي يتبرع به الضيوف وأهل العروسين والذي يعتبر مساعدة لعائلة العريس في حال ما كان لهم ديون فإن هذه التبرعات تساعدهم قليلا، لكن هناك من لا يقبل بجمع المال خاصة الذين لهم إمكانيات وليسوا بحاجة لمساعدة مالية. والجدير بالذكر أن المجتمع القبائلي، يتميز بتراث عريق وأصيل يتم العمل حاليا للحفاظ عليه من طرف الأجيال الجديدة خاصة في السنوات الأخيرة، حيث نشاهد إقبالا كبيرا على إحياء العادات القديمة لضمان استمرارها ونقلها للأجيال الناشئة.

ق.م