تخوض وردة في العقد الرابع من عمرها، رحلة شاقة منذ أربع سنوات، للحصول على وثيقة كفالة طفل صغير. السيدة الجزائرية التي لم تيأس، تتنقل بتعب بين مكاتب رسمية، لعلها تستطيع أن تفوز بتوقيع بسيط فقط. فكفالة طفل يتيم تبقى في الجزائر، أشبه بمغامرة خطرة، ومهرب وبعض الأسر غير القادرة على الإنجاب.

حين تعرفت وردة على الطفل أمين، كان لا يزال في الثالثة من عمره، يومها لم تتوقع أن هذه الإجراءات “صعبة”، وبعد مرور 4 سنوات، ستزيد من تعلقها به. فبات جزءًا من حياتها، ويكاد البعض، يقول لها أنهما متشابهان، لكن كل هذا لا ينهي ما تعيشه من ألم، فكل محاولاتها هي وزوجها باءت بالفشل. لكنها لا تزال متشبثة بأمل صغير في أن يحين اليوم الذي تأخذ أمين معها، ليعيش، كما تقول، “في وسط أفضل ويحظى بالتعليم مثله مثل كل البشر، والأجمل في كل هذا أن يحظى بأسرة ويواصل حياته كبقية الأطفال”.

“حكاية وردة مؤلمة، ففي النهاية لا أحد يختار قدره”، هذا ما تقوله مسؤولة دار الأيتام في قلب العاصمة الجزائرية، موضحة أن “مرض السيدة (وردة) وعدم استقرارها حال دون الموافقة على الملف المرفق للتكفل بالطفل”. لكن كل احتمالات الرفض لم تقف عندها وردة، وهي تودع أمين، في آخر زيارة له في دار الأيتام، قائلة له وهي تحبس دموعها: “سنلتقي قريبًا”.

أمل ليس بالقريب لكنه نقطة ضوء فربما تتغير الظروف ويقبل الملف أو تخرج المرة القادمة من هذا المكان وهي برفقته. فالطفل تعلق بها. آمن بكل ما قالته له في السابق وكل ما قدمت له من أشياء يحتفظ بها في غرفته الصغيرة وسريره. بل وأكثر من ذلك، الجميع يحسده على أن هناك امرأة يناديها بـ”ماما”، وأنها تقول له “يُمّا”، بلهجة سكان الشرق الجزائري.

“الواقع غير ذلك”، تردد وردة، هي تمشي متثاقلة تتطلع إلى غرف الأطفال برواق قسم الذكور، فقد رفض الملف من قبل مديرية الشؤون الاجتماعية ومصلحة الكفالة. وليست هذه المرة الأولى التي يرفض فيها الملف. السبب في البداية متعلق بعدم استقرار وردة وزوجها في مكان واحد، وعدم تمكنهما من إيجاد مسكن لائق يضم أمين، ففي النهاية هو ابن الدولة. و”الدولة حريصة على أن يعيش هذا الطفل في كنف أسرة ميسورة توفر له كل ما افتقده طيلة سنوات الضياع. كما أنها ترمي إلى تربيتهم تربية تمكنهم من مواجهة الحياة بكل تفاصيلها السيئة والإيجابية”، وفق ما تقول.تتأسف وردة، وهي تقول إن “أمين أو غيره من الأطفال إن لم تصحبه معها فسيظل هنا إلى غاية سن 19 سنة بحسب القانون”، متسائلة أين سيخرج للحياة؟.. إما أن يواصل دراسته العليا أو أن يكون مصيره مجهولًا؟”.

محاولاتها الفاشلة وإحباطها كل مرة تتقابل فيها بأطفال يتامى، إما فقدوا آباءهم أو وجدوا من دون أهل أو كما يطلق عليهم بالأطفال مجهولي النسب، جعلتها تقتنص الفرصة للذهاب إلى ذلك المكان. فضاء جميل ومريح، لكنه قطعة مهربة من المجتمع الجزائري. فوراء كل اسم منحته الدولة للطفل أو البنت حكاية طويلة. ووراء كل غرفة، قصة سيرويها الطفل حينما يكبر. الأهم أن الأطفال يحملون ابتسامات غريبة لا يفهمها سوى من فقد النعمة أو لم ينعم بها أصلًا أو حاول أن يظفر بها في محاولات فاشلة لدى الأطباء والأخصائيين.

تقول أخصائية  نفسانية، إن “كثيرين هم من يبحثون عن كفالة طفل، كم هو شعور رائع أن يقبل ملف زوجين بحثًا عن الإنجاب. فمن الله عليهما بابن من غير صلبهما لكنهما الآن سعيدين به، يكفلانه ويعيشان معه كل الظروف”. وتضيف: “ملف الكفالة يمر عبر تحقيق شروط أولها تكوين ملف في المصلحة الاجتماعية والكفالة بمديرية النشاط الاجتماعي التابعة لوزارة التضامن والأسرة ويتم تحويل الملف إلى دار الأيتام أو دار الطفولة المسعفة وبعدها يتم دراسة مختلف النواحي الاجتماعية والسلوكية لطالبي الكفالة وتحديد لقاء مع الأخصائي النفساني حتى يتم التطرق إلى مختلف جوانب التكفل بطفل يتيم والمسؤولية الملقاة على عاتق العائلة”.

أرامل الجزائر.. قصص تحدٍ ونجاح

قانونيًا، يسمح القانون الجزائري بالكفالة باعتبارها مساعدة طفل لم يتعد عمره 19 سنة على التأقلم مع المجتمع، حيث تستقبل الأسرة الطفل وتتكفل به ماديًا والاعتناء به وحمايته مدى الحياة. إن كان الطفل من أبوين معروفين فالكفالة تتطلب موافقة من أبويه البيولوجيين مع اشتراط محافظة الطفل على نسبه الأصلي، أما إن كان من أبوين مجهولين، سيكون مرفقًا بشهادة الإيداع التي تقدم من طرف مديرية العمل الاجتماعي، التابعة لوزارة التضامن ويمكن أن يسلم الطفل من أمه البيولوجية فيشترط موافقتها حينها.

اجتماعيًا، يتخوف كثيرون من الكفالة، وبحسب المرشدة الاجتماعية رشيدة بن صاري، انتهت عشرات الحالات بهم السبل نحو البحث عن الأبوين البيولوجيين وهو ما يخلق، وفقا لتصريحاتها جوًا مرعبًا للوالدين بالكفالة. فيما هناك حالات أخرى نجحت في كفالة أطفال، مثلما صرحت زكية سعدي، التي تكفلت بطفلين، وهاهي اليوم وبعد 27 سنة تحضر لإجراءات ومراسيم زواجهما أيضًا.