هذا خطابنا على خطاب الكاتب رشيد بوجدرة في مصنفه الأخير ” زناة التاريخ ” وقد أراده هجائية ورسمها على الغلاف ، وفهمنا نحن أبعد من ذلك فهو سخرية واستهزاء، وهو يرافع فيه عن الوطن و المواطنة والوطنية بطريقة غير مباشرة، وعن الدولة و المجتمع في جزائر اليوم الذي نحن فيه وجزائر الأمس القريب.

والشاهد عندنا شواهده التي ساقها من مصادرها الأصيلة لفئة الكتاب- وجلهم مزدوجي اللسان و الجنسية – وهو ما يحسب لصالح بوجدرة لأن القاعدة” لا رأي إلا بدليل ولا حكم على الرأي إلا بدليل”.

ويندرج هذا الخطاب متعدد الأصوات في سياق ما بعد الكولونيالية(الاستحلالية الامبريالية) ومأزق العولمة وروح العصر المطبوعة بالانفجار التكنولوجي الرقمي والمعرفي وأمور أخرى .

وقصّتي مع اقتناء نسخة كتاب بوجدرة حكاية تروى، موجزها « في اليوم الثاني من رأس السنة الميلادية 2019م( جعلها الله علينا وعلى كافة المسلمين قفزة نوعية إقلاعا نحو الرقي و الازدهار و الرفاهية)، اختلفت إلى مكتبة الثورة قبيل المغرب كالعادة بعد غياب قصير لظروف قاهرة ،وخلافا للتقليد المتبع عندي – وهو الاطلاع أولا على محتويات الواجهة أنه ليس كل ما فيها يوجد بالضرورة داخل المكتبة- وبعد إدامتي النظر في الرفوف و المسح الشامل لأن الجديد في كل المكتبات يفرق دوما في أماكن شتى حسب توزيع المعارف، وعندما أراد المكتبي وهو أخي وصديقي الصغير» إبراهيم» الخروج أطفأ الأنوار وقبل أن يسدل ستار الباب ويركب سيارته استمهلته حتى أنظر ما في الواجهة وهنا لمحت بصعوبة كتيبا صغير الحجم كتب أسود الغلاف كتب باللّون الأبيض والأصفر، فإذا هو»رشيد بوجدرة وتحته زناة التاريخ» واقتنيت النسخة دون تردد وهي الأخيرة.

قد كان اقتنائي النسخة من واجبي لأن الكتاب جزائري وبالعربية وعن الجزائر ولكاتب من الجزائر ولأنني اتخذت قراري منذ عقود خلت أن أجمع وأقرأ كل ما ينشر عن الجزائر وتصل إليه يدي فليس من سمع كمن رأى.

تلقيت الكتاب (على الرّغم من سفور وتبرج لفظ العنوان بكل حرية وإرادة دون أفكار مسبقة وبعيدا عن القيل والقال وكثرة السؤال وإثارة الجدال وافتعال السّجال بشأن الكتاب وكاتبه، وقرأت ثلاثة أرباع الكتاب في الليلة نفسها ولم أتمكن من الانقطاع عن القراءة – وما أكثر الكتب التي تركت قراءتها في أوائلها – وهذا دليل قد صحّ عندي أن نصّ الكتاب مقنع يستميل القارئ إلى جهته ويستغرقه ؛ وأعني نوعا مخصوصا من القرّاء وهو العاقل الراشد الذي يملك حسّا وطبعا سويا وينظر بعين عقله وليس بعين رأسه (على قول هارون الرشيد لقاضي القضاة أبي يوسف) لما فيه من روح الحمية و العصبية الإيجابية .

إننا نلمس في الكتاب كذلك شيئا من التوازن في الطرح و الاحتجاج لمخاطبة العقل و القلب، وذلك يدل على أسلوبه وعلى عقل صاحبه وانتصاره لنفسه قبل ينتصر للجزائر والجزائريين لأنه جزء منهما ،وواجب الالتزام بالانتماء يفرض عليه – وقد صرح بذلك طي ّ كتابه – أن موقفا حاسما( من غير ترويج ولا إشهار وبوجدرة كاتبا روائيا في غنى عنهما).

لقد أحسن بوجدرة صنعا حسب وجهة نظرنا في هجائيته حيث قرأ فيها كتابات معاصريه قراءة مكثّفة مع الشمول ومعمّقة مع الإيجاز لأنه استعان كثيرا بمقاربات التحليل النفسي، وهو بهذا السبق مع الجرأة و الشجاعة الأدبية، فله علينا التقدير وليس علينا أجره، لأن الجزاء على قدر النية والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى كما صحّ في الأثر النبوي، وما علينا إلا أن نحكم على الظواهر (في النصوص) بقدر ما أوتينا من علم وفهم ولا سلطان لنا على الضمائر والخالق سبحانه وحده العالم بالسرائر والعليم بشؤون خلقه ظاهرها وباطنها .

إنّ الأمانة تفرض علينا القول إن «بوجدرة» قد حمّل نفسه المسؤولية الأدبية الكاملة لصمته مدة من الزمن أمام الانحرافات الخطيرة حسب قوله، وهو يشعر بوخز الضمير وبالخزي و العار ؛ وهو بذلك يهجو نفسه لقوله: «منذ فترة كنت أشعر بالخزي و العار أمام مرآتي وأنا أحلق ذقني كل يوم، فأحاول استفسار موقفي من كل هذه الإنتاجات التي تصدمني كل يوم فأصمت وأعيش تحت وطأة هذا العار …ص21».

أمّا عن الدوافع والأهداف، والمخصوص بالهجاء الممزوج بالسّخرية و التهكّم يقتربان أحيانا من السباب والقذف مع سوق المقاطع من النصوص الأصيلة للمهجوين، والاستعانة بمقاربات التحليل النفسي- نظرا لأن الحالة المدروسة نفسية مرضية حسب قوله- وعن الجمهور المستهدف ؛ فقد عبر عن كل ذلك طي كتابه في مواطن كثيرة، والقضية على الجملة عبر عنها بالقول: « فالقضية إذن بالنسبة لي هي قضية مرضية اسمها الاستلاب السياسي والأخلاقي والنفسي، وهي كذلك تجر من ورائها الانحطاط الاجتماعي و الشذوذ الوطني» وهذا أوان تفصيلها بإيجاز.

إنّ الدّوافع ذاتية نفسية وموضوعية وطنية قومية كما أشرنا في المقطع السابق، بينما الهدف من تأليف الكتاب هو صريح قوله: « أردت من خلال هذا الكتاب «زناة التاريخ» تقديم إنذار بالخطر الذي يهدد الوطن والمجتمع بعدما صمتّ عشرية كاملة أمام هذه الانحرافات والانجرافات. لكن المخصوص بالهجاء على غير العادة «جمهرة كتاب اللغة الأخرى تلك التركة الامبريالية المسمومة» وهم فئة قليلة لكنها ذات نفوذ كبير وهم كذلك كما ذكرهم بالوصف مرتين «الزناة في غلاف الكتاب» والمنافقون « حيث يقول : «حتى أرد على المنافقين وهم أقلية ضئيلة لكنها ساحقة، الذين يبيّضون الأسود ويسوّدون الأبيض .ص70».

وأمّا الجمهور المستهدف بالكتاب فهو عامة الجزائريين من القراء بالعربية خاصة ؛ كما في قوله : «إن إرادتي كانت تستهدف الجمهور الجزائري حتى يستفيق من غفوته وهو يشهد ويشاهد تزوير تاريخه العظيم من طرف الذين أسميهم (زناة التاريخ) والذين يعيثون فيه فسادا لكسب الأموال و الشهرة ورضا المستعمر القديم.ص112» وفي موضع آخر يؤكد طبقات جمهور كتابه في قوله: «أمّا أنا فقد أردت من خلال هذا الكتاب (…) تقديم إنذار بالخطر الذي يهدد الوطن والمجتمع بعدما صمتّ (لسكوته زمنا) مدة عشرية كاملة أمام هذه الانحرافات والانجرافات.  ص124. «لقد رأيت في الكتاب صحوة وصرخة تجلت في المفردات و لعبارات اختيارا ونظما، وفي الآن نفسه هو نهضة وعبرة لفئة من الكتاب، لكنه لفئة أخرى بمثابة الصدمة و الرعب وقد بدا ذلك في الكلمة الأولى من العنوان (زناة)، وهي عبارة (زناة الليل والمراد بنو إسرائيل ومن والاهم) مقتبسة من مقطع شعري حاد وعنيف للشاعر العراقي الكبير»مظفر النواب صاحب الروائع» موجهة للملوك و الرؤساء العرب الذين توطئوا مع الأعداء وأظهروا لهم كل، بل باعوا القدس والشرف والقضية، والمقطع ضمنه بوجدرة كتابه على الصفحة الأولى بعد الغلاف.

أردنا في العنوان اجتهادا منّا «لفظ الجناة في التاريخ» وأراد بوجدرة (وليس المترجم لأن الكتاب بالعربية) لفظ الزناة ( في التاريخ كما ورد طي كتابه)، ولو استعمل الأولى لكان أحسن لأنها خطاب العموم وأقوى في الاحتجاج، والثانية خطاب الخصوص وأضعف في الاستدلال مثلما أن الجنايات متعددة و الزنا واحد، وحد الجناية أكبر من حدّ الزنا شرعا وقونا، وإن كان كل منهما موت أحمر للفرد و المجتمع والفارق بينهما حرف، لكن استخدم الثانية على المجاز وهو أبلغ في الدلالة من الحقيقة.

ونرى في الختام الكتاب صيحة تحذير وإنذار، وتحريرا لبعض الأقلام الحبيسة، وفتحا لبعض العقول المقفلة وتنويرا لبعض الرؤى المظلمة، وموقفا صريحا دون مواربة يحسب لصالح كاتبه بكل عدل وإنصاف، لأنه شهد شهادته وقال قولته وهو كغيره من الناس يؤخذ منه ويرد، والحقيقة واحدة لا تقبل التعدد والتجزئة، ونحن نقترب فقط ولا نمسك بها، والاختلاف بيننا في الطرق المسلوكة نحوها للاقتراب منها، والمطلوب أخلاقيا «ليس لأحد منا يتخذ لنفسه طريق أن ينكر على الآخر طريقه ومنطلقاته، وبذلك يلتقي الكتاب المفكرون في نقطة مشتركة يقفون عندها مهما اختلفت ألوانهم وألسنتهم ومرجعياتهم واتّجاهاتهم… ونحب أن نختم بتصور الحرية و العبودية في أوساط الكتاب لأن الفارق بين الحر و العبد موقوف على الوضعية النفسية والفيصل على رأي الإمام الشافعي(رأس المذهب) – من أحسن ما قرأت في المسألة من ديوانه كما يأتي «الحرّ عبد عندما يكون طامعا، والعبد حرّ عندما يكون قانعا» والطريف بين «طمع وقنع حرف فقط» ؛ وهذا الذي كان يرمي إليه بوجدرة بدقة وعبر عنه بالتكسب والظهور و الولاء.