رغم ارتفاع حالات الطلاق والخلع بالجزائر والأرقام المتداولة، التي تفيد بوقوع ست حالات طلاق في كل ساعة، لا زالت شريحة من الجزائريات يرفضن خيار الطلاق والخلع” ويفضلن البقاء في كنف حياة زوجية “مع وقف التنفيذ”.

هذا الخيار التجأت إليه “سهيلة” التي لا يتجاوز سنها الـ33 سنة و”نادية” ذات الـ45 سنة  والكثيرات من الجزائريات، بغية تجنب الطلاق أو الخلع، رغم تراكم المشاكل الزوجية في ظل صعوبة العيش وغلاء المعيشة وضعف القدرة الاجتماعية،  في مجتمع لا يزال ينظر نظرة سلبية ودونية للمطلقات.

هذا ما جعل العديد منهن يخيرن البقاء في الزواج، لا لشيء إلا للمحافظة على لقب الزوجة والتهرب من “وصمة” الطلاق حتى وإن عشن حياة مزيفة ظاهرها لا علاقة له بما يدور خلف الأبواب المغلقة.

شمعة زواج انطفأت بعد أسبوع

تروي “سهلية”، وهي صحفية بإحدى الجرائد الخاصة بالجزائر، كيف استطاعت الحفاظ على بيتها الزوجي رغم كل المآسي التي تعرضت لها في فترة زواجها حيث تقول:

“ككل فتاة حلمت  بالزواج والاستقرار مع رجل أحبه، يكون لي زوجا وأخا وأبا يحنو علي ويؤنسني ويسندني ويشاركني همومي.. تحقق ذلك “الحلم” في سنة 2000 وبالضبط في  13  جوان، لكن فرحة الزواج لم تدم إلا أسبوع للأسف، وبعدها بدأ زوجي يضربني لأتفه الأسباب، بل في كل محاولة للحوار بيني وبينه”.

تحولت الحياة إلى جحيم، مع  خشونة زوجي معي، ورفضه في كل مرة التحدث إلي، حيث أنه يقاطعني لأيام طويلة بعد ضربي، قبل أن تعود المياه إلى مجاريها ليومين أو ثلاثة.. ثم لا تفتأ المشاكل أن تعود مرة أخرى لتعكر صفو هذا السلام المؤقت.

وازدادت معاناتي مع أول شهر رمضان أمضيه في بيتي الزوجي، أين حوله إلى أتعس الأشهر، بدل أن يكون شهر محبة ورأفة، فكان صيامي نهار وليلا، بسبب عدم قدرتي حتى على تناول شيء من الطعام من فرط الألم والمعاناة، وهو ما جعل صحتي تتدهور كثيرا.

سنين مرت، وشبابي أراه يذوي شيئا فشيا، رغم انه يكبرني  بأكثر من 15 سنة وما آلمني أكثر هو رفضه الإنجاب ومنحي طفلا يؤنس وحشتي ويخفف من مرارة الحياة معه، لسنوات طويلة، خاصة وأن تمسكي به أمر مفروغ منه لأسباب جهلتها لسنين، ولعلها أنني لم أعهد في عائلتنا أن طلقت قريبة لي من زوجها، وخوفا على صحة أمي في حالة عودتي إلى البيت مطلقة ونظرة العائلة الموسعة، زيادة  على اعتبارات لها علاقة بالمجتمع الذي نعيش فيه وحتى لاعتبارات لها علاقة بزوجي..  أنا دائما ابحث له عن الحجج والأعذار وأقول في نفسي انه سيتغير يوما، وحياته التي عاشها بعيدا عن والديه وتربيته طفلا شبه يتيم سبب فيما يحدث له.

بعد خمس سنوات عن زواج متقلب، طلب مني الإنجاب، فكان أحلى ما طلب مني مُنذ عرفته.. فرحت رغم “الخوف” الذي انتابني منه، وترددي من إنجاب طفل بريئ إلى هذه الحياة المضطربة. لكن تمكسي بقدرة الله وشأنه في تغيير الأحوال إلى الحسن بعد ميلاد ابننا،  منحني القوة- وفعلا حملت بأول مولود لي في 2015، وعكس ما كنت آمل أن يحدث، ازدادت تصرفاته العدوانية والقاسية تجاهي وبقي يضربني حتى خلال حملي، وكاد  يتسبب في إسقاط جنيني في أكثر من مرة عبر ركلات يوجهها  إلى بطني في كل مشاجرة بيني وبينه، آخرها في الشهر الثامن.. وما أكثر مشاجراتنا فهو يثور لأتفه الأسباب..

أتذكر يوم مجيء ابني”هيثم” ومع بداية مخاض الولادة، طلبته في العمل للمجيء للمنزل من اجل اصطحابي للمستشفى.. في البداية بدا لي فرحا، لكن فور وصوله للمنزل، تغير وجهه واصحبني إلى المستشفى بوجه مكفهر يقرعني ويصفني بالفاشلة في كل أمري حتى في طريقة نقلي خبر أنني “على وشك الولادة”.. حول الطريق المؤدي إلى مصلحة الولادة  إلى أطول رحلة قطعتها في حياتي.. الأم المخاض على وقع دعواته علي بأن ألقى حتفي على طاولة الإنجاب وأموت أنا ومولودي.

تصور وضع حامل في المخاض تسمع كلامات كهذه.. ومع ذلك تمسكت بالله تعالى، فأنجبت طفلي بعد ولادة عسيرة.. ومرت أسابيع  سادت السكينة خلالها في البيت، قبل أن تتدهور الأمور مرة أخرى ويعلو الصراخ والشتائم والتجريح والتعنيف قبل مرور الأربعين وانقضاء فترة النفاس..

ولم تتغير الأمور منذ ذلك الحين.. ومع ذلك يبقى زواجي قائما.. رغم انه زواج مع وقف التنفيذ، فلا علاقات حميمية ولا حوارات ولا تفاهم، بل شتائم وغلظة وضرب وتعنيف لأتفه الأسباب.. بتّ أتجنبه قدر الإمكان أنا وابني الصغير أملا في تفادي الخصومات”.

لن افرق فلدة كبدي عن أبيه مهما عانيت

زواج انتهى على ارض الواقع ولم ينته ورقيا، فبين رفضنا الاثنين الطلاق وتمسك كل طرف بالآخر،  يعيش كل واحد حياته وحيدا ..نعم يجمعنا سقف واحد وعائلة واحدة وابن وحيد.. نأكل معا ونتقاسم مصاعب الحياة معا باعتباري امرأة عاملة، إلا أن معنى الحياة الزوجية السعيدة اجهلها معه، وراضية بما قسمه الله لي، خاصة عندما أرى ابني ينادي والده “بابا”.. لن افرق فلذة كبدي  عن أبيه مهما تألمت ومهما قست الدنيا علي”

حكاية “سهيلة” لا تختلف كثيرا عن قصة “نادية”، وهي صاحبة مؤسسة صغيرة مختصة في توظيف عاملات التنظيف، التي تطلقت جسديا عن زوجها “كمال” منذ عشر سنوات، فبعد سبع سنوات من مشاكل الغيرة والخيانة، تم الاتفاق على الانفصال صمتا.

الشك حوّل حياتي إلى جحيم

تروي “نادية معاناتها مع زواج فاشل أثمر ميلاد ابنيها “أنور” و”مهدي”، قائلة

“تزوجت عن حب وقناعة، لكن للأسف زوجي الذي كنت أنا التي تسيره وتتحكم في كل أموره، تغير بين عشية وضحاها،  ومع مرور السنين بدا يختلق المشاكل ويخالفني باستمرار، مما جعلني اشك في تصرفاته  وأترصد جميع حركاته بحثا عن “عشيقة خفية” تكون وراء هذا التغيير.

لكن مع مرور السنين اكتشفت أنني ابحث وراء “سراب” وأنني بدل أن اعمل على استرجاع زوجي تسببت في بناء جدار عازل بيني وبينه، من خلال جلسات الاستفسارات اليومية والمساءلات الكثيرة فور عودته إلى المنزل، مما جعلنا نضطر إلى الابتعاد عن بَعضنا، من اجل مصلحة الأطفال وحمايتهم من المشاحنات والتوتر.

تقول “نادية” إن اتخاذ قرار  هجر الزوج، لم يكن سهلا..  لجانا إليه حرصا على طفلينا الذين كانا متعلقين كثيرا بنا من جهة، ومن جهة أخرى لحماية انسفنا من  كلام المجتمع والعائلة،  فالطلاق في مجتمعنا يعتبر وصمة عار على العائلتين..

ضف إلى ذلك مركزنا الاجتماعي الذي يمنعنا من التفكير في”الطلاق”.. وهكذا عشنا سنين بأكملها كالغرباء في نفس البيت، لا يحاسب أحدنا الآخر، فلا نتحدث مع بعضنا البعض.. كل واحد منا كان يؤدي مسؤولياته إزاء الأسرة متظاهرين بأننا نحيى بشكل طبيعي. فأنا بالإضافة إلى عملي خارج البيت أقوم  بتنظيف البيت وأحضر الطعام واعتني بالأولاد وهو يتكفل بمصاريف المنزل وشراء الحاجيات، من دون أن يوجه أحدنا الكلام إلى الآخر أو حتى ينظر إليه إلا نظرة عابرة باردة.. لا نتحادث إلا في إطار الضرورة “أي في ما له علاقة بالأطفال فقط”.. هذا ما أدى إلى استمرار العلاقة الزوجية شكليا طيلة هذه المدة”.

“الطلاق الصامت” أنقذ أطفالا من التشرد والعقد النفسية

يحصي المجتمع الجزائري الكثير من حالات الطلاق”الجسدي” بين الأزواج، وقد شاعت ظاهرة “المعلقات” لتنافس ظاهرة “المطلقات”. نساء اخترن أن يعشن مع أزواجهن كما لو كانوا غرباء، لكن تحت سقف واحد.

وتقولأحد المحللات الاجتماعية، أن هذا النمط من الزواج “يسمى الطلاق الصامت” وهو خطر على الزوجين إذ انه يشكل بيئة مثالية للخيانة الزوجية والعلاقات خارج  الزواج، إلا إذا كانت المرأة تتحكم في غرائزها ولها  مستوى عال من الأخلاق وتتحكم في نفسها وتترفع عن كل النزوات.

أما الرجل فترجح الأخيرة أن يقوده ذلك إلى ملء الفراغ خراج البيت، وهو ما يجعله عرضة للتقلبات النفسية والأمراض الجنسية المعدية.ربما لا يتأثر المجتمع من هذا النمط المشوه من الزواج، لان الأسرة تبدو متماسكة في ظاهرها على الأقل، وتبقى الرابط العائلية قائمة، لكن المتضرر الرئيسي هو الرجل والمرأة الذين يعيشان فراغا عاطفيا ويفترقان إلى الإشباع النفسي والجنسي الذي لا يتوفر إلا في إطار علاقة كاملة حميمية بين الزوجين تؤمن لهما الاستقرار والتوازن.

25 بالمائة من الجزائريات المتزوجات “معلقات” لا “مطلقات”

ويرى أحد الحقوقيين أن بروز هذا النوع من الطلاق  في المجتمع الجزائري له علاقة بأسباب  نفسية، راجعة لطبيعة العلاقة بين الطرفين، الذين يرجّح أنهما لم يكونا يعرفان بعضهما البعض قبل الزواج.

وهذا ما يجعل العلاقة بينهما سطحية، اقرب إلى علاقة صداقة وتعايش،  وليست مبنية على عاطفة الحب وعلى التفاهم، زيادة على غياب ثقافة الاهتمام بالآخر، فكثير من الزوجات حين يصبحن أمهات ينصب اهتمامهن على الأولاد، على حساب أبيهم الذي يبدأ في الابتعاد تدريجيا عن زوجته.

واعتبر المتحدث أن المرأة الماكثة بالبيت وغير العاملة أكثر استعدادا للقبول بالطلاق الصامت، وكذا الحال بالنسبة لحالات نادرة لا تملك  المرأة فيها تلبية كافة رغبات زوجها.