انتشرت بين أوساط الشباب وخاصة طلاب المدارس في أماكن دراستهم ومراكزهم الرياضية  نوع من أنواع المخدرات يطلق عليها: ( المنشطات)

وإذا كان تعاطي الكبار للمخدرات يمثل ظاهرة خطيرة فإن تعاطي الشباب يعتبر كارثة للمجتمعات حيث تمثل تلك الفئة رأس المال البشري التي تعتمد عليها المجتمعات في تنميتها وتطورها وتقدمها. لأن الشباب هم صفوة المجتمع والمحرك لكل جوانب القطاعات التنموية .

وللمخدرات مخاطرها ومشكلاتها العديدة التي أصبحت تكلف العالم ثروة بشرية واقتصادية كبيرة، فالمشكلات النفسية والبدنية والاجتماعية والاقتصادية نتاج أساسي لانتشار المخدرات وتعاطيها، وهذه المشكلات هي – في حقيقة الأمر – من أخطر الظواهر الاجتماعية و الصحية و النفسية التي تواجهها معظم بلدان العالم في الوقت الحاضر. ذلك أن حوالي ربع سكان الكرة الأرضية تقريبا يتعاطون أنواعا من المخدرات على أمل أن تساعدهم في تغيير نمط حياتهم وتفكيرهم , لذا فان مشكلة المخدرات تعد بحق من مشكلات العالم المعاصر الخطرة .

وتشكل مشكلة إدمان المخدرات ظاهرة خطيرة على كافة المستويات لآثارها المدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع.

وانتشار ظاهرة تناول المخدرات بين المتمدرسين في الجزائر أصبح يشكل خطرا كبيرا ،خاصة  أمام صمت ملحوظ للمسؤولين في القطاع التربوي وغياب قانون واضح يجرّم التجارة بالمخدرات، في الوقت الذي يتزايد نشاط شبكات المخدرات داخل المدارس وفي محيطها. “أطفال المدارس لا يتجاوز عمرهم 16 سنة، بلغ بهم الأمر إلى سرقة هواتف زملائهم لشراء المخدرات”؛ هذه شهادة التلميذة ش.ك البالغة من العمر 14 عاما، عن انتشار ظاهرة ترويج وتعاطي المخدرات داخل المتوسطة التي تدرس بها

في البداية رفضت ش.ك الحديث إلينا بسبب الخجل والخوف الذي كانت تشعر به ، لكنها أوضحت في ما بعد قائلة “بعض التلاميذ في مدرستنا يعملون مع شبكات المخدرات التي باتت تستقطب المراهقين المطرودين من المدارس، والذين عادة ما يحملون حقدا دفينا على المؤسسة التي كانوا يدرسون فيها”. وواصلت الصبية “عادة ما تستهدف هذه العصابات أحد التلاميذ النشطين في المؤسسة وتستعمله كوسيلة لترويج سمومها، وذلك عن طريق حيل تعتمد على دفع التلاميذ إلى الإدمان تدريجيا عن طريق أقراص مخدرة توزع مجانا على أنها حلويات في المدرسة، وهذا ما يزرع الرعب فينا داخل المدرسة”. التلميذة التي كانت شاهدة عيان على ظاهرة تعاطي المخدرات في مدرستها، أرادت عبر شهادتها إلينا التحذير من انتشار تلك السموم في المدارس.

صمت الطاقم التربوي

أما “ل.م” البالغ من العمر 17 عاما، وهو أحد ضحايا شبكات المخدرات؛ فقد أشار إلى أن الطاقم التعليمي في مؤسسته على دراية تامة بانتشار المخدرات، لكنه يخاف من تهديدات التلاميذ، إذ تحول بعضهم إلى لصوص وباعة للمخدرات داخل المدارس.

ويضيف الشاب “أنا أتناول المخدرات منذ أن كان عمري 15 سنة، وأحصل على حاجتي من أمام باب المدرسة فالمروجون في كل مكان”. وفي سؤال عمن يمده بالمال لشراء المخدرات، يقول الشاب “أشتري جرعاتي التي تصل إلى خمسة كيلوغرامات كل يوم من المصروف اليومي الذي يعطيه لي والدي وأتناول المخدرات في مرحاض المدرسة، وهم إلا يومنا لم يكشفوا أمري”.

حينما يتم مزج المخدرات في الحلوى

تشير معاينات لما انتاب سيرورة المدارس خلال الموسم المنقضي، أنّ “ل.م” ما هو إلى حالة من بين العشرات، وهذا ما أكده أيضا  الاستاذ بوفاتح محمد بلقاسم، المختص في علم الإجرام، حين أشار إلى أنه عالج العديد من الحالات المتعلقة بإدمان المراهقين على المخدرات، بعد أن حصلوا عليها مجانا داخل المدارس الثانوية التي كانوا يدرسون فيها.

وبعد التحقيق المعمق في القضية، تبيّن أن شبكات المخدرات تعمل على الترويج لأقراص مخدرة توضع داخل علب حلويات توزع على التلاميذ مجانا؛ كما أنها توظف تلاميذ المدارس الثانوية مقابل مبالغ مالية كبيرة تصل لحد مليون سنتيم شهريا.

وأضاف المتحدث أن التلاميذ عندما يتعودون ويدمنون على هذه الحلويات المخدرة، تباع لهم. فيلجأ العديد منهم إلى سرقة المال من عائلاتهم لشرائها، ومن لم يسعفه الحظ يلجأ إلى سرقة الناس والاعتداء عليهم.

وقال “عبد الكريم عبيدات” رئيس جمعيات رعاية المراهقين، أنّ الإدمان على المخدرات داخل المؤسسات التربوية من أكثر أسباب الرسوب المدرسي. فالتلميذ المدمن همه الوحيد ربح المال مهما كانت الوسيلة لشراء المواد المخدرة، ويشير  إلى أنّه تم تأسيس هذه السنة لجان إصغاء وتوجيه التلاميذ داخل المؤسسات التربوية هدفها مراقبة سلوك التلاميذ وتوجيههم، نظرا لاستفحال ظاهرة ترويج المخدرات في المؤسسات التربوية على شكل حلويات، وسط غفلة المسؤولين والأولياء.

ويؤكد : “مروجو المخدرات اعتمدوا في البداية على حلويات “تيك تاك” وهي عبارة عن علبة صغيرة تحتوي على أقراص حلويات تباع بثمن عشرين دينارا، حيث عمدت عصابات المتاجرة بالمخدرات إلى استغلال هذه العلب وتعويضها بحبوب مخدرة حلوة المذاق، توزعها على التلاميذ عن طريق زملاء لهم”.

من فضاء تربوي إلى محضن للسموم

من جهته، يقول البروفيسور مصطفى خياطي رئيس الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث العملي، إن المؤسسات التربوية “تحولت من فضاء تربوي وتعليمي إلى مكان للسرقة والمتاجرة بمختلف أنواع السموم، وفيها سيتحول المراهقون بعد فترة إلى أرقام إضافية في معادلة الجريمة المنظمة”.

وحسب الإحصائيات التي أعدها البروفيسور خياطي، فقد بلغ عدد التلامذة المدمنين في العاصمة الجزائر 2073 طفلا خلال السنة الجارية، وذلك أمام غياب قانون واضح يجرم المتاجرة بتلك السموم.

أعراض تعاطي المخدرات

تظهر على متعاطي المخدرات علامات يمكن من خلالها اكتشاف تعاطيه لها: الاكتئاب والعزلة. السلوك العدواني. شحوب لون الوجه. الخمول والكسل، والتعب عند بذل مجهودٍ بسيطٍ. المراوغة والكذب وتأليف الحجج. التغيّب عن البيت بشكلٍ ملحوظٍ وباستمرار.

طرق مكافحة المخدرات

هناك طرق عديدة ومتنوّعة لمكافحة المخدرات وحماية الشباب من تعاطيها، وهي كما يأتي: توعية الناس بشكلٍ عامٍ خاصّة فئة الشباب؛ لخطر المخدرات وبيان عِظَم خطرها على الفرد وصحّته وعلى المجتمع بأسره. ملء أوقات الشباب بالنفع والفائدة وعدم ترك أوقات للفراغ في حياتهم، فالفراغ هو ما يدفع المرء للتفكير بأفكار السوء وتطبيقها. إنشاء مراكزَ خاصّةٍ لهذه الغاية ودعوة الناس إليها، ويجب تضمين الكتب المدرسيّة والجامعيّة أيضاً بحثاً متخصصاً بهذا الأمر يبين موقف الدين من المخدرات وضررها بشتّى أنواعها وتحريمه لها، ويبيّن عقوبة متعاطيها. تعليم المرء منذ صغره تعاليم الدين الإسلامي وغرس مكارم الأخلاق فيه، واستشعار عظمة الله عز وجل ومراقبته للعبد أينما كان في السر والعلن، والخوف منه ومن عقابه. ملاحقة تجار المخدرات ومهربيها وفضحهم أمام الناس تبياناً لجرمهم العظيم، وتطبيق العقوبة التي يستحقونها. معالجة مدمني المخدرات نفسيّاً وجسديّاً، والتعامل معهم على أنّهم مرضى لا مجرمون. الابتعاد عن أصحاب السوء لدورهم الكبير في الانجراف إلى الهاوية والأمور السيّئة، وكذلك ترك البيئة الفاسدة واستبدالها بالبيئة التي تغرس القيم والصلاح. ملازمة الصالحين ومجالس تعليم أمور الدين، وبيان أنّ المرء سيُسأل يوم القيامة عن جسده فيما أبلاه وعن ماله أين أنفقه. إغلاق أماكن تعاطي المخدرات ومعاقبة القائمين عليها. إتلاف المزارع الخاصّة بنباتات المخدرات، وملاحقة كل من يحاول زرعها ومعاقبته والتشهير به. اختيار الأشخاص الأكفاء ذوي العلم والتقوى؛ لتوليتهم مهمّة مكافحة المخدرات والقيام بعملهم على أكمل وجه. احترام المصابين وإرشادهم إلى أنّ العلاج من المخدرات وتعاطيها ليس بعارٍ، ثمّ توجيههم وإسداء النصح لهم. بيان خطر المخدرات في كافة الوسائل والطرق، كالتلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، والراديو والصحف والمجلات.

ويبقى تكاتف الجهود من طرف مختلف فئئات المجتمع من الاسرة التربوية والمؤسسات الاجتماعية والقطاع الصحي هو الحل الوحيد لمحاربة هذه الظاهرة التي باتت تمس أطفالنا وشبابنا الذين يمثلون مستقبل الغد.

ب.إيمان