ترتفع نسب الجريمة في المجتمع الجزائري بشكل مخيف هذه الأيام، إذ أصبحت حوادث القتل حديث الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. والملفت في الأمر، تزايد قصص القتل التي ترتكبها النساء بدم بارد تحت دوافع مختلفة.

 شهدت مدينة أم البواقي، قبل شهور، جريمة شنيعة، حيث أقدمت امرأة على قتل زوجها وحرق جثته. في غليزان، تستعمل شابة خنجرا لتطعن صديقها ذا 35 عاما في حي الشاطو القصديري. في وادي سوف، تقتل فتاة من تبسة بمساعدة صديقتها شابا عشرينيا بواسطة سيف. في برج منايل ببومرداس، سيدة تتفق مع أبنائها لوضع حد لوالدهم المسن، الذي يبلغ من العمر 74 سنة، في اليوم الموالي يتصل ابنه البكر بمصالح الحماية المدنية ليعلمهم أنه وجد والده ملقى على الأرض غير بعيد عن مسكنهم، وعلى جسده آثار، حاولت السيدة وأبناؤها الثلاثة تضليل الشرطة وتغيير مجرى التحقيق القضائي على أن الحادث انتحار، غير أن نتائج الضبطية القضائية كشفت عملية قتل محكمة، نفذتها السيدة وابنها، ببشاعة.. وهو ما أحالهما إلى السجن، فيما استفاد الابنان الآخران من الرقابة القضائية بدل السجن.

الانفصال والتعدد محركات الجريمة عند النساء

تؤكد الأستاذة زهرة فاسي، محللة اجتماعية، أن السجينات اللواتي تلتقي بهن يقضين عقوبتهن بعد ارتكابهن جرائم قتل عادة ما لا يشعرن بالندم على القيام بها، وإنما يكن متشبعات بالكره والرغبة في الانتقام، إلى درجة أن الواحدة منهن تصرح بأنه لو تم إطلاق سراحها والتقت بزوجها مجددا ستكون مستعدة لقتله مرة ثانية حتى تشفي غليلها من ظلمه وقهره. وهذه حالة نفسية مستعصية تصل إليها المرأة التي يتخلى عنها المجتمع، الأسرة والأصدقاء، ويجبرونها على الصبر حيال الأذى الجسدي والنفسي الذي تتعرض له، حتى عندما تقبل على الخلع يتهمها المجتمع بالخيانة والانحلال الخلقي، فلا تجد من يتفهمها أو يرشدها، وتقودها التراكمات إلى ارتكاب أخطر الجرائم تجاه نفسها أو زوجها في مجتمع يخاف من الفضيحة أكثر من خوفه من الجريمة.

في الجلفة مثلا، بالتحديد حي الزريعة، أقبلت سيدة ثلاثينية على ارتكاب جريمة شنيعة في حق طليقها، الذي كان قد تركها منذ فترة قصيرة، بعد أن سبب لها أضرارا نفسية جسيمة، وبطريقة درامية ودامية، قتلته وأحرقت جثته بعد أن قامت بكل دم بارد بتقطيعها إلى أجزاء.. ارتفع دخان الحريق وتصاعدت النيران، فطلب الجيران رجال الحماية المدنية الذين بمجرد إخمادهم النار لاحظوا بقايا الجثة، فتم إبلاغ مصالح الشرطة على الفور، التي بدورها كشفت الجريمة، لأن الجثة كانت مقطعة ومبعثرة ولا تبدو كضحية حريق.

الضغوط النفسية ونزعة الانتقام مرحلة الخطر التي تسبق الجريمة

الضغوط النفسية، مهما بلغت مداها وحدتها، أبدا لن تكون مبررا لارتكاب جريمة القتل، هذا هو رأي الأخصائية النفسانية، الدكتورة مريم بركان: “.. فعلا.. هناك حالات من اللاوعي، قد تصل إليها المرأة في مرحلة ما في حياتها، عندما تفقد شبابها، صحتها، جمالها ومالها كفدية لتعيش حياة سعيدة مع الرجل الذي اختارته، ولكن تضحياتها المتتالية تشكل تراكمات داخل ذاتها، ونوعا من تأنيب الضمير، وتستمر في مقارنة نفسها بنساء أخريات، فيما يزداد كرهها وحقدها على الطرف الآخر، إلى أن تبلغ مرحلة الخطر، حين لا يبقى في ذاتها ما تخسره، فيصبح سلوكها عنيفا وعدوانيا، ويصبح الانتقام أكبر إحساس يتملكها، رغم أنها قد تفكر في نتائجه، ويغذي الإعلام هذه النزعة في نفسها بعرض محتويات محرضة”.

الجمعيات المتخصصة في قضايا انحراف المرأة أي دور وسط ما يحدث؟

تتأسف الأخصائية المحللة الاجتماعية، الأستاذة زهرة فاسي، على أن 18 ألف جمعية نسوية استهلاكية، نشاطها افتراضي لا يتعدى الورق، فيما يجب أن يكون نشاطا مجتمعيا، خاصة تلك الهياكل المتخصص في قضايا انحراف المرأة، إذ من المفترض أن يكون عملها تسجيل حالات العنف، والتنقل إليها، مع مرشدات اجتماعيات، وأخصائيات نفسانيات، لحل مشاكلهن، وإذا استلزم الأمر على الجمعية رفع قضايا على الأزواج العنيفين، لتتمكن المرأة من تحصيل حقوقها قبل الوصول إلى سبل ضيقة والاتجاه نحو الجريمة.

فالإحصائيات التي تكشف عنها التحقيقات مع النساء اللواتي ارتكبن جرائم قتل في حق أزواجهن، أو رجال من محيطهن، أنهن جميعا ومن دون استثناء يعانين من اضطرابات نفسية حادة، سببها المغدور به أو أسرته أو أفراد من محيطه، وقد تعرضن مسبقا، إما لهتك العرض، أو الظلم والتهميش وانتهاك حقوقهن لفترات طويلة تسبق الجريمة، فيما لم يحصلن على يد تقودهن إلى بر الأمان. تقول الأخصائية الاجتماعية مريم بركان: “إن المرأة التي تتخلى عن كامل أنوثتها، وتتجرد من طبيعتها الإنسانية التي خلقها الله عليها، لتتسلح بالجبروت والعنف الذي يسمح لها بارتكاب جريمة قتل دون خوف لا من الله، ولا من المجتمع ولا من العقاب، هي شخص دخل في مرحلة اللاوعي بحقيقته ويحتاج مساعدة نفسية قبل كل شيء”.