يواصل الجزائريون الخروج للشارع كل يوم جمعة، مجددين العهد مع لازمة “يتنحاو قاع”، ويتمسك
أغلبيتهم بأحقية ترتيب البيت بأنفسهم دون ممثلين قد “تُشترى ذممهم”، ولا “فاعلي خير يمكن أن تكون مبادراتهم سبيلا لاختراق الحراك”.

ولم تحظ أي شخصية تم تداول اسمها منذ بدأ الحراك لتمثيل الشعب أو قيادة المرحلة الانتقالية برضا “الشارع” الذي نجح في إجبار الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة، حتى وإن كان يُشهد لها بالنزاهة، فبالنسبة لهؤلاء يكفي أن تكون قد وضعت يدها يوما في يد النظام في العشرين سنة الماضية لتتم “شيطنتها”.

وينظر البعض أيضا بعين الريبة والتوجس حتى للمبادرات الإيجابية التي يطلقها الشباب الناشط في الحراك، مثل ما حصل مع أصحاب مبادرة السترات البرتقالية التي أطلقها مجموعة من الشباب المثقف الجمعة الماضية، في محاولة منهم لتأطير الحراك ومنع التجاوزات والاحتكاك بين المتظاهرين وعناصر الأمن، غير أن هؤلاء اتهموا عبر منشورات تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأن مبادرتهم “غير بريئة” وتم تخوينهم.

وأرجع البعض ظاهرة “التخوين” و”تسويد” سمعة الأسماء المطروحة لمرافقة الشعب في افتكاك مطالبه في رحلة صعبة للتخلص من النظام، إلى “الذباب الإلكتروني” الذي يهدف للتشويش على الحراك، بينما برر آخرون الأمر بتوجس الجزائريين من أن تُسرق ثورتهم، والخيبات التي عاشوها على مدى عقود بسبب النفاق السياسي الذي أفقدتهم الثقة حتى في بعضهم.

ولأن الطلبة هم شريان التغيير منذ بدأ الحراك، اقتربنا من بعضهم لجس نبضهم بشأن قضية التمثيل أو الشخصية القادرة على إيصال المطالب الشعبية إلى بر الأمان، لكن الرؤى اختلفت حتى ولو أن الأماني واحدة من أجل جزائر مستقلة مزدهرة.

مخاوف  من حياد الحراك عن مساره الحقيقي

يرى أحد الطلاب الجامعيين أنه لم يحن الوقت بعد للحديث عن ممثلين للشعب، لأن الهدف الذي خرج من أجله الملايين لم يتحقق بعد، وهو رحيل النظام الحالي برمته، وكل من تسبب من قريب أو بعيد في قضايا فساد أفلست البلاد والعباد.

ولم يخف الشاب المفعم بالطموح والأمل في جزائر أفضل خوفه على الحراك من شخصيات قد تسقط بسهولة في فخ النظام، “ولنا في أمثلة الدول العربية دليل، فالنظام لن يفوت فرصة إغراء من يفاوضه”، ولهذا يرى الشاب الذي يخرج كل يوم جمعة في المسيرات المليونية ولا يفوت مسيرة الثلاثاء للطلبة، أن التمثيل لن يكون مقبولا قبل التغيير وتعديل قانون الانتخابات ومراجعة الدستور.

الحراك مستمر، والمطالب تتجدد وتتطور من جمعة إلى أخرى، غير أن الاختلافات واللعب على وتر الهوية والجهوية والتبعية لفرنسا التي تُحاول جهات زرعها بين المتظاهرين، ولو أنها لقيت مقاومة من الجماهير، فإن كل الخوف من ألا يصمد هؤلاء طويلا، “فاستمرار التظاهر في كل يوم جمعة دون ربان سفينة قد يبدد المطالب ويشتتها”، وهو رأي طالبة أخرى ومشاركة في الحراك الشعبي. التي أضافت أن هذه الجموع قد تكون مطية لقيادات غير رسمية تتحدث باسم الشعب دون منحها هذا الوسام، فلا بد من الاتفاق على شخصية تلقى الإقبال وتوضع فيها الثقة وتكون قادرة على التفاوض والتمثيل ممهدة لمرحلة جديدة بعد رحيل هذا “النظام البائس المتشبث بالكرسي”.

الاختلاف في الرأي بين الزميلين يعكسه النقاش الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي كل مرة تطفو التجارب العربية على السطح لتضاعف المخاوف من ألا يوضع الحراك بين أياد أمينة، فبالنسبة للجزائريين الثورة ثورتهم والبلاد بلادهم وهم من يقررون مصيرهم، وهو ما ترجمته العبارة التي لم يتوقفوا عن ترديدها في المظاهرات “البلاد بلادنا ونديرو راينا” بمعنى “البلاد بلادنا ونفعل ما يحلو لنا”.

وحول هذه النقطة، توقف الدكتور في علم الاجتماع بجامعة بوزريعة في العاصمة موسى معطاوي، عند صعوبة فتح موضوع التمثيل حاليا، لأن موضوع الثقة يطرح نفسه بقوة، موضحا أن “الجزائري فقد في وقت مضى الثقة في كل شخصية تمثله، وإعادتها اليوم ستحتاج وقتا لكن ذلك ممكن جدا في ظل هذا الوعي الكبير”.

وتحدث معطاوي عن الوعي الاجتماعي الكبير والتضامن الذي رسمه الجزائريون خلال المسيرات والوحدة الاجتماعية، مردفا “لكن التمثيل لهذا الحراك لا بد أن يراعي تركيبة المجتمع الجزائري المتعدد الثقافات، ويتجنب سياسة الإقصاء لتجسيد تكتل قوي قادر على مواصلة الحراك”.

من جهتها ترى المتخصصة في علوم الإعلام الدكتورة جميلة، أن الأسلوب السياسي بحاجة إلى تطوير تقنيات الخطاب وشرح قضايا الناس بطريقة بسيطة مفهومة.

وقالت إن المرحلة “انتقالية وحساسة وهناك أطراف تلعب على وتر العنصرية والتمييز، لهذا لا بد من شخصية توافقية ذكية في خطاباتها تمتلك مقاليد الإقناع لإيصال الحراك إلى بر الأمان”.

لماذا يرفض الحراك الشعبي مشاركة نساء “الفيمينيست”؟

الحراك الشعبي الجزائري بات الفضاء الحر لكل فئات المجتمع لرفع مطالبها في مسيراته. إلا شريحة واحدة أصبحت محرومة من المشاركة، وهي نساء حركة “الفيمينيست” التي تطالب بتحرر المرأة وسط تهديدات وشيطنتها. لماذا هذا الرفض؟

“أنا مناضلة نسوية ولن أتراجع عن حقوقي”، “حرية المرأة ونضالها لا يوقفه مندسون في الحراك الشعبي”، بعبارات واثقة، استهلت إحدى الناشطات عن حادثة تعنيف نساء في حركة “الفيمينيست”، وهي حركة عالمية معنية بمطالب أنثوية عامة في إطار الحركة النسائية العالمية، في الجمعة السادسة من مسيرات الجزائر.

وتوضح الأخيرة أنها تعرضت لاعتداء مع رفيقاتها في الحركة النسائية، في جمعة 29 مارس الماضي والتي شهدت حضورا نسائيا كبيرا في مربع الحراك الشعبي المناهض لاستمرار نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. تعود زميلتها إلى وقائع الجمعة “السوداء” وفق تعبيرها: “نظمنا أنفسنا قبل هذا الموعد واتفقنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على هيكلة حركتنا النسائية الناشطة منذ سنوات، وجرى التفاهم على التجمع أمام بوابة الجامعة المركزية وسط العاصمة الجزائر”.

وتضيف “ما أن بدأنا في التجمع بالشارع العام، حتى زحف علينا متظاهرون وسحبوا منا يافطاتنا التي حملت شعارات الحركة النسائية التي تنادي بتحرر المرأة والمساواة، ونفذوا ضدنا اعتداءات جبانة”. تنتهي محدثتنا عند تأكيدها على وجود تضامن مع “الفيمينيست”، وذلك ما لمسنّه من خلال مساعدة عدد من شباب الحراك على فك الحصار على النشطات، وتحريرهن من قبضة الرافضين لحراكهن.

في سياق متصل، تندد طالبة جامعية بكلية اللغات بحادثة الاعتداء على نساءٍ “الفيمينيست” في الجمعة السادسة من الحراك وتحذر من مغبة أن يكون لذلك تداعيات على يومياتهن ونضالهن. وتستذكر الأخيرة مشاهد لصور ومنشورات وفيديوهات اكتظت بها مواقع التواصل الاجتماعي: “كنت وقتها في مسيرة حاشدة بمحافظة البويرة كان الخبر صادما..”. وتتساءل محدثتنا بحرقة شديدة: “كيف لمتظاهرين أن يعتدوا على نساءٍ همهم الوحيد الدفاع عن حقوقهن المشروعة؟”.

ودافعت طالبة اللغة الفرنسية عن الشعارات التي رفعتها حركة الناشطات “النسويات” في المسيرات، مشيرة إلى أن “المرأة اكتسبت وعيًا سياسيًا واجتماعيًا راقيًا من الحراك الشعبي، كما أن المسيرات حررت النسوة من قيود ظلت مفروضة عليهن..”.

مؤكّدة أن الحراك الشعبي المستمر منذ 22 فيفري الماضي منح الفرصة للمرأة التي أصبحت، وفق قولها،  تحتل أماكن كانت حكرا على الرجل وبدأت تتخلص من قيود الخطاب الذكوري. موضّحة أن “مطالب النساء “الفيمينيست” ليست وليدة الحَراك فمطالبنا قديمة رفعتها نسوة منذ الاستقلال الوطني عن الاستعمار الفرنسي عام 1962، ولكن المرأة الجزائرية اليوم تحس بتهميش وإقصاء، لذلك لا بد من إسقاط  قانون الأسرة المهين للمرأة، ونحن حريصات على تفعيل مطلب المساواة والتحرر..”.

وتختم: “ببعض المحافظات ما يزال خروج المرأة إلى الشارع أو دخولها المقهى، ضربًا من الخيال، وإن حدث ذلك تتعرض المرأة إلى حملة تشويه تعتبرها مسترجلة وبالتالي خارجة عن ملة قومها وتقاليدهم”.

ق.م