إن المتفحص للمشهد الاجتماعي في الجزائر يخلص إلى أن الجريمة قد أخذت في هذا المجتمع أبعادا خطيرة بوصولها معدلات قياسية تجاوزت الخطوط الحمراء التي وضعها المجتمع كصمام أمان لأمنه واستقراره.إن المتفحص للمشهد الاجتماعي في الجزائر يخلص إلى أن الجريمة قد أخذت في هذا المجتمع أبعادا خطيرة بوصولها معدلات قياسية تجاوزت الخطوط الحمراء التي وضعها المجتمع كصمام أمان لأمنه واستقراره.

فمؤسسات الضبط الاجتماعي ومختلف وسائل الإعلام المحلية والوطنية تزودنا بتقارير وإحصاءات وحوادث تؤشر كلها على أن المجتمع الجزائري أضحى ومن خلال هذه الظاهرة يعيش أزمة قيمية حقيقية أو حالة من “اللامعيارية”-بتعبير إميل دوركايم- فقد أصبح مألوفا لدينا أن نسمع بجرائم غير مسبوقة في هذا المجتمع بحكم خصوصيته الدينية والثقافية كالاغتصاب، وجرائم النصب والاحتيال والرشوة التي مست جمع المؤسسات الاجتماعية تقريبا.

وأمام هذه المعطيات الخطيرة لا يسعنا كباحثين مشتغلين في حقل الجريمة والانحراف إلا أن نفتح نقاش جاد وثري حول هذه الظاهرة يمكننا في النهاية من تعقل الظروف والعوامل المجتمعية المشجعة على تنامي الجريمة بشكل كبير في المجتمع الجزائري، وهذا ما سنسعى إلى الكشف عنه في هذه الورقة.

هذا ولقد رأينا أنه من المفيد جدا في هذا المقام معرفيا ومنهجيا وقبل الخوض في مسألة العوامل والأسباب المؤدية إلى تنامي الإجرام في الجزائر التطرق إلى ماهية الجريمة وذلك بهدف فهم معانيها وتعقل محتواها الدلالي.

أولا: ماهية الجريمة

يتموقع مصطلح الجريمة عموما ضمن ثلاث حقول معرفية متجاورة هي القانون، وعلم الاجتماع وعلم النفس، ولكل حقل تعريفه الخاص لهذا المصطلح مقترن بالأساس بخصوصيته المعرفية، وسنحاول فيما يلي رصد هذه التعاريف على -التعريف القانوني للجريمة:

على الرغم من تعدد التعريفات القانونية للجريمة إلا أن المتأمل فيها يلحظ عدم وجود فروق جوهرية بينها وعليها فقد تشابهت هذه التعاريف.

هذا ويمكن تعريف الجريمة وفقا لمعناها القانوني بأنها”الفعل الذي يحرمه القانون ويقرر له جزاءا جنائيا. أما رجل القانون نوع من السلوك أو موقف يمكن أن يعرض صاحبه على المحكمة ويصدر فيه حكم قضائي بالاستناد إلى تشريع معين. وفي تعريف آخر له يرى بأن الجريمة هي مجموع المخالفات المرتكبة والمشتهر بها والمتابع عليها، ولا يعتبر الفرد مجرما إلا من اعترفت له بذلك المحكمة، فالجريمة فعل إرادي يخالف القانون ارتكب بدون عذرا يعاقب عليه.

وعليه يصنف “تابان” السلوك الإجرامي على أنه فعل أو نمط من السلوك معاقب عليه قانونا نظرا لانتهاكه قاعدة قانونية وتهديده لأمن وسلامة الفرد والمجتمع، وأن المجرم لا يكون كذلك إلا إذا اعترفت له المحكمة بذلك

التعريف النفسي للجريمة

يرى أصحاب الاتجاه النفسي أن كل سلوك إجرامي إنما هو انعكاس لصراعات نفسية، داخل الفرد تدفعه حتما إلى ارتكاب الجريمة، بل هناك من يعتبر السلوك الإجرامي مظهر من مظاهر اللاشعور، أي سيطرة العاقل الباطن على السلوك، وفي هذا الصدد يعتقد “فرويد” أن الجريمة ظاهرة من الظواهر السيكولوجية الحتمية “إن الظاهرة العقلية مهما كانت تافهة أو مؤقتة لا شك في أنها ذات سوابق محددة (الخبرة المخزنة في اللاشعور) مسببة لها” وعليه فقد عرف فرويد السلوك الإجرامي على أنه “انعكاس لما تحتويه شخصية الفرد من مرض نفسي الذي هو عبارة عن اضطرابات وظيفية في شخصية الفرد المريض، وهو تعبير عن صراعات انفعالية لا شعورية ولا يعرف المرء صلتها بالأعراض التي يعاني منها”.

وضمن نفس السياق يوجد تعريف آخر لأنصار مدرسة التحليل النفسي حيث يعرف السلوك الإجرامي والمجرم على حد سواء على أنه من تتغلب عنده الدوافع الغريزية والرغبات على القيم والتقاليد الاجتماعية الصحيحة، ومن تم فهم يقرون بأن السلوك الإجرامي هو نتاج عدم قدرة الفرد على السيطرة والتحكم في رغباته وغرائزه المنافية للقيم والضوابط الاجتماعية المتفق عليها في المجتمع.

 العوامل المؤثرة في ظاهرة الجريمة بالمجتمع الجزائري.

لا شك في أن السلوك الإجرامي بوجه عام عوامل وظروف تغذيه، فمنها ما يكون بيولوجيا تحاول جاهدة إثبات علاقة عضوية بين السلوك الإجرامي من جهة، والتشوهات الجسمية والخلقية الفطرية من جهة أخرى، ومنها ما يرد إلى عوامل سيكولوجية مرتبطة بأمراض واختلالات تعتري التركيبة النفسية للفرد، وسواهما يميل إلى ردها إلى عوامل مجتمعية Societal بيئية، وهي التي سيتم التركيز عليها –تماشيا مع أهداف هذه المداخلة- في هذه الورقة، خاصة وأن الإجرام في الجزائر وحسب الدراسات والأبحاث التي أجريت في هذا المجال مرتبط بشكل كبير ببعض الظروف المجتمعية الصعبة التي أضحت تعيشها شريحة كبيرة من أفراد المجتمع، حري بنا تسليط الضوء على بعضها فيمـا يلي:

التهميش والفقر:

إن المتأمل للتركيبة الاجتماعية للمجتمع الجزائري، يلحظ أن هناك شريحة لا بأس بها من الأفراد تعيش في ظل وضعية اجتماعية متأزمة تصنف وفق المعايير الدولية تحت خط الفقر. وغالبا ما تستقر هذه الفئة في الأحياء الشعبية العتيقة أو في القرى الفقيرة والتجمعات السكانية الفوضوية المتاخمة للمدن الكبرى.

وقد لا نكشف سرا أو نقدم إضافة إذا قلنا أن طبيعة الظروف المجتمعية الصعبة التي تعيشها أغلب الأسر الفقيرة في الجزائر، كعدم القدرة على صرف تكاليف التعليم والصحة وضيق السكن وعدم استجابته لمتطلبات الحياة الكريمة، وسوء التغذية وانخفاض الدخل وانتشار البطالة على نطاق واسع بين الشباب قد ولد مناخا اجتماعيا ملائما لظهور ما يعرف بالجماعات الهامشية أو المهمشة.

وفي هذا الصدد يقدم الباحث الاجتماعي إسماعيل قيرة وصفا دقيقا للجماعة الهامشية حيث يقول : “… وعلى أية حال، تشكل الفئات الهامشية عالما واسعا، يمتد عبر الشرائح المختلفة المرابطة في قاع المدينة، وتنتشر في أماكن متعددة عالم له علاقاته ولغته ونمطه المعرفي والقيمي، وأفراده خليط عجيب من العناصر الرثة المعدمة كليا والمحرومين والفقراء وممتهني الأنشطة غير الرسمية والمستخدمين ذوي الأجور المنخفضة، العاطلين عن العمل المتسولين، ساكني الأحياء المتخلفة، الأحداث المتشردين، وكل من يلتقط رزقهم من قلب علاقات الشارع القذرة.

وإذا قدمنا اجتهادات تحليلية للخطاب الوصفي الذي قدمه الباحث للجماعات الهامشية نخلص إلى أن هذه الجماعات على هذا النحو فئة تتبؤ وضع متدن في إطار نظام التدرج الاجتماعي، وتعاني عزلا كليا أو جزئيا ممنهجا، وشعورا متنام بالغربة عن الثقافة المحيطة بها وعن الجماعات الأخرى من حولها فضلا عن تحييدها عن كل الخدمات التي يقدمها المجتمع الحضري خاصة في المجال التنموي.

وأمام هذه الوضعية الاجتماعية الصعبة التي تعيشها هذه الجماعات، وفي ظل رواج ثقافة اليأس والقنوط بين أفرادها، وانعدام أي أمل في إيجاد حلول جدية كفيلة بتغير أوضاعهم نحو الأفضل يصبح الوضع مهيأ أمام هذه الجماعات لتشكيل تكتل ثقافي فرعي معارض للثقافة العامة السائدة في المجتمع تجيز وتشجع أفرادها على إتباع أساليب غير شرعية في سبيل تحقيق أهدافها وتحسين أوضاعها، كاللجوء إلى أسلوب السرقة والنهب والاختلاس، والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، والخطف مع طلب الفدية- كما نلحظه الآن- والمتاجرة في الممنوعات كالمخدرات و الأشياء المسروقة… إلخ. وهو ما نعايشه يوميا في أحياءنا وقرانا و مدننا. والأخطر من ذلك هو أن هذه الجماعات الهامشية وبمرور الوقت وتجدر الثقافة الفرعية الم إجرام” إلى الأجيال التي تليها، وهذا ما نبه إليه الباحثان “كليفورد شو” و “هنري ماكاي” عندما صاغا نظريتهما حول “الانتقال الثقافي للإجرام” حيث أكدا على أن المناطق التي تعاني من عوز اقتصادي، وفقر مدقع على نطاق واسع بين أفرادها ينتقل الإجرام فيها ثقافيا من جماعة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر بحيث تحافظ معدلات الجريمة على مستوياتها ويتم هذا الانتقال من خلال عمليات ثقافية عن طريق الاتصال الشخصي بين الأفراد وبين الجماعات على السواء، بل يصبح الإجرام تقليدا اجتماعيا بالنسبة إلى عدد كبير من المجرمين، فالمجرم الذي يعيش في هذه المناطق يجد نفسه سويا ومتوافقا اجتماعيا مع الجماعات التي يعيش بينها كما أن هؤلاء لا يستنكرون سلوكه الإجرامي ولا يستهجنون أفعاله لأن مثل هذه الجماعات تتوقع منه مثل هذا السلوك[1].

والواقع أن الباحثان قد قدما تبريرات اقتصادية لسببية الجريمة تنطبق تماما مع أسبابها في المجتمع الجزائري، حيث يعتقدان أن الأفراد الذين يعيشون في مناطق فقيرة ذات مستويات اقتصادية مزرية لا يختلفون في طموحاتهم في الحياة عن طموحات أولئك الذين يعيشون في مناطق اقتصادية جيدة، إلا أن أفراد المناطق الفقيرة سرعان ما يقتنعون أن طموحاتهم لا تتحقق بالطرق المشروعة، الأمر الذي يشكل لديهم صراعات داخلية بين الهدف والوسيلة وهو الذي يقودهم إلى التماس الجريمة كبديل منقذ[2]. وهذا ما نلاحظه لدى الكثير من العائلات الفقيرة في الجزائر التي عادة مع تغض الطرف على تصرفات أفرادها المشبوهة وتجيز اللجوء مجبرة – إلى كل الطرق الشرعية وغير الشرعية- لكسب قوتها، لاقتناعها التام بغياب المساواة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع

ضعف أداء مؤسسات الضبط الاجتماعي:

يعرف الضبط الاجتماعي على أنه مجموعة من المعايير والعقوبات السلوكية التي تعمل على دفع الفرد نحو التماثل المعياري[، إذا فهو على هذا النحو وسيلة وسائل الضغط لحمل الفرد على اعتناق التقاليد والقيم السائدة في مجتمعه. وقد تناول المفكر العرب ي ابن خلدون مسألة الضبط الاجتماعي وشدد على أهميته في تنظيم العائلات الاجتماعية ودفع عدوان الأفراد عن بعضهم البعض، وضمان حياة اجتماعية آمنة ومستقرة، وفي هذا الصدد يقول “إن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع حاكم يزع بعضهم عن بعض” ويضيف “إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررنا وتم عمران العالم بهم فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم، وليست السلاح التي جعلت دافعه لعدوان الحيوانات كافية عن دفع العدوان عنهم، لأنها موجودة لجميعهم فلا بد من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم على بعض ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم. فيكون ذلك الوازع واحد منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان”

ولا شك أن قراءة معرفية تحليلية لأفكار ابن خلدون حول مسألة الضبط الاجتماعي تقودنا إلى حقيقة يقينية بأن أي خلل أو قصور يعتري آليات الضبط الاجتماعي في أي مجتمع ستكون له آثار كارثية على أمن وسلامة أفراد المجتمع، وهذا ما نعيشه فعلا في المجتمع الجزائري حيث لا يستطيع أحد منا أن ينكر أن الجرائم أضحت ترتكب في وضح النهار وأمام مرأى ومسمع كافة أفراد المجتمع، فهذه جماعة من المجرمين تحمل أسلحة بيضاء للاعتداء على المارة والأخرى تخطط وتستعد للاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وجماعة تستهلك المخدرات علنا و ما ينجر عن ذلك من اقتراف جرائم هتك العرض والسرقة وحتى القتل وكأنه لا يوجد رادع يردعهم عن مثل هذه التصرفات.

إن التفسير الوحيد لهذه الظاهرة هو أن آليات الضبط الاجتماعي في الجزائر ومؤسساته قد أضحت عاجزة نوعا ما على إيجاد إستراتيجية كفيلة بتفويض السلوك الإجرامي في الجزائر ومحاصرته وقطع الطريق أمام كل الظروف والعوامل المساعدة على تناميه وانتشاره على نطاق واسع. ووضعنا كهذا ولد انطباعا عامة لدى فئة المجرمين على أن مؤسسات الضبط الاجتماعي غير قادرة على مواجهتهم ولجم سلوكاتهم العدوانية وهذا ما يشجعهم على اقتراف المزيد من الجرائم وانضمام المزيد من الأفراد على عصبهم وتبني ثقافاتهم الإجرامية، لذلك لا نستغرب عندما يجاهر المجرمين بجرائمهم ويفتخرون بها بلا خوف ولا حياء.

لذلك نعتقد أنه على مؤسسات الضبط الاجتماعي الاضطلاع بمسؤولياتها في مجال محاضر أوكار الجريمة في مدننا وأحياءنا والتعامل مع الحالات الإجرامية بمزيد من الحزم والجدية حتى تتمكن هذه المؤسسات من فرض سلطة وهيبة القانون من جهة واسترجاع ثقة المجتمع في أدائها من جهة أخرى، وهذا في تقديرنا أضحى مطلبا اجتماعيا ملحا في الآونة الأخيرة. ولتحقيق ذلك نرى أنه من المفيد جدا دعوة جميع الأطراف المعنية بمسألة الضبط الاجتماعي وأمن واستقرار المجتمع إلى حوار صريح وبناء حول السبل و الاستراتيجيات الكفيلة بمعالجة الظاهرة الإجرامية في الجزائر، وكذلك الاجتهاد -قدر الإمكان- وبالتنسيق مع المثقفين والباحثين لإيجاد الآليات المناسبة لانتشال المجرمين من عالم الجريمة والانحراف وإعادة تأهيلهم بغية تهيئتهم للاندماج في الحياة الاجتماعية بشكل سليم.

-الأزمة القيمية والجريمة في المجتمع الجزائري:

أخذت منحى خطير تجاوز كل التوقعات، وذلك بتفشي جرائم غير مسبوقة تنافي والخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع الجزائري، كجرائم الفروع على الأصول وزنا المحارم وهتك العرض والخطف واستسهال القتل… الخ، وكلها جرائم كانت إلى وقت ليس ببعيد من الطابوهات التي لا يجوز حتى الحديث فيها بدافع الحياء والحشمة فما بالك بممارستها!.

إن جرائم كهذه لدليل قاطع على أن المنظومة القيمية في الجزائر وصلت إلى حالة من الضعف والانهيار والترهل، بحيث لم يعد بإمكانها التحم في سلوك الأفراد وضبطها وفقا ما تتطلبه القيم والمعايير الاجتماعية، إننا بتعبير آخر نعاني في الجزائر من حالة “اللامعيارية”.

ولتقديم تحليلا دقيقا لحالة اللامعيارية يقول عالم الاجتماع إميل دور كايم بأنها حالة تغيب فيها القيم والمعايير الاجتماعية وتنعدم القواعد المسؤولة عن توجيه سلوك الأفراد وتنظيم نشاطهم وتهذيب غرائزهم ورغباتهم في إطار النظام الاجتماعي القائم، وغالبا ما تؤدي هذه الحالة إلى اضطراب الرؤيا لدى الأفراد واختلال إدراكهم السليم المميزة بين ما هو ممكن وغير ممكن وبين ما هو مسموح ومحرم وبين ما هو عادل أو ظالم ومشروع وغير مشروع، وعليه فإن انعدام الضوابط المحدد للسلوك البشري يؤدي إلى انعدام الضوابط المحددة لطموحات الأفراد ورغباتهم وسبل تحقيقها. بمعنى أن حالة اللامعيارية أو الأزمة القيمية التي تشيع في المجتمع تجعل الضوابط الاجتماعية المنظمة للسلوك الإنساني في حالة ضعف وانهيار وعدم القدرة على السيطرة على سلوك الأفراد، وعليه فإن الفرد يتحرر من كل الضوابط، وتبعا لذلك تنتشر السلوكات الإجرامية على نطاق واسع وبشكل غير مسبوق، ويصبح اللجوء إلى الوسائل غير المشروعة في سبيل إشباع الحاجات والرغبات والغرائز وتحقيق الطموحات أفضل وسيلة لدى فئة المجرمين

إن من إفرازات الأزمة القيمية التي يعيشها المجتمع الجزائري هو أن الإجرام لم يعد مقتصرا على فئة الراشدين من الرجال –كما هو شائع في أغلب المجتمعات- بل امتد إلى النساء والأحداث، وشمل أيضا جميع الفئات والمستويات، وأضحى مألوفا لدينا –كما سبقت الإشارة إليه- أن نرى ونسمع بسلوكات إجرامية لا أخلاقية تسيء إساءة كبيرة للمنظومة القيمية في الجزائر، وتثير لدينا كباحثين تساؤلا مشروعا عن الجهة المسؤولة عن ضعف وانهيار القيم والمعايير الاجتماعية في هذا المجتمع؟

ونحن نعتقد أن لمؤسسات التنشئة الاجتماعية مسؤولية كبيرة فيما وصلت إليه هذه المنظومة من انهيار لكونها المشرف الأول والمسؤول الرئيسي على عملية استدماج القيم والمعايير الاجتماعية في شخصية الأفراد وامتثالهم لها، وعليه سنحاول فيما يلي توضيح العلاقة بين فشل وإخفاق هذه المؤسسات في تحقيق الأهداف التربوية المرجوة منها وبين تنامي الجريمة في المجتمع الجزائري.

 فشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية في تحقيق الأهداف التربوية المرجوة منها والجريمة في الجزائر:

يجمع مختلف الباحثين المهتمين بقضايا التنشئة الاجتماعية على أن هذه الأخيرة هي السبيل الوحيد تقريبا الذي يمكن الفرد من استدماج قيم وعادات وتقاليد مجتمعهم ويتمثلها كلها أو جزءا منها

بالتقليد والحفظ والمحاكاة لتصبح بعد ذلك جزءا من أفكاره وقناعاته ومعتقداته ومعارفه وسلوكه التي يعمل على نقلها مستقبلا للجيل اللاحق[1].

ومن هنا أضحت التنشئة الاجتماعية القاعدة الأساسية للضبط الاجتماعي الذي يضم مجموعة من القيم والمعايير والعقوبات السلوكية التي تعمل على دفع الفرد نحو التماثل المعياري، وعندما ينشأ الفرد على التماثل القيمي المعياري يصبح متماثلا ومنضبطا ذاتيا واجتماعيا أي يصبح محصنا من كل المؤثرات التي قد تفضي به إلى سلوكات تخالف القيم والمعايير الاجتماعية التي نشأ عليها.

ولاشك أن عملية التنشئة الاجتماعية لا تتم بصورة عشوائية تلقائية بل تؤطرها وتشرف عليها مؤسسات اجتماعية كالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام…الخ تعمل في انسجام تام على غرس قيم المجتمع وقواعده وتعزيزها في شخصية الأفراد حتى يتمكنوا من التوافق التام مع النظام الاجتماعي القائم وتحمل المسؤوليات وتقمص الأدوار الاجتماعية التي يتوقعها المجتمع منهم بشكل فعال. باختصار إنها عملية تهدف إلى تحقيق التكيف الاجتماعي السليم للفرد مع الحياة الاجتماعية.

لكن قد يحدث أن يتعلم الأفراد أثناء عملية التنشئة الاجتماعية من خلال هذه المؤسسات قيما ومفاهيم اجتماعية خاطئة كتلك التي تتصل بالشرف والأمانة والعفة والتعاون والولاء والخلق القويم والنزاهة والصدق إلى غير ذلك من المعايير الأخرى، وأمام أخطاء تربوية كهذه تصبح احتمالات لجوء الأفراد إلى السلوك الإجرامي لتحقيق رغباتهم وأهدافهم كبيرة جدا، بل أن الفرد لا يشعر بالندم أبدا عن ارتكابه سلوكا يعتبره القانون جريمة[3]وذلك على اعتبار أن مؤسسات التنشئة الاجتماعية فشلت فشلا ذريعا في عملية استدماج القيم والمعايير الاجتماعية السليمة في شخصية الفرد، ومن صور ذلك نجد أن كثيرا من الأسر في المجتمع الجزائري تغض الطرف عن بعض السلوكات العدوانية لأبنائها لا تتعامل بحزم مع حالات العنف والسرقة التي يقترفها أفرادها، أي تلجأ إلى سياستا اللامبالاة واللاعقاب في التعامل مع الحالات الانحرافية البسيطة لأبنائها والتي تصبح مع مرور الوقت سلوكات إجرامية خطيرة، كما أن تنامي ظاهرتي العنف المدرسي والتسرب المدرسي بشكل غير مسبوق في المدرسة الجزائرية دليل واضح على إخفاق السياسات التربوية لهذه المؤسسات، ضف إلى ذلك غياب برامج تربوية هادفة في وسائل الإعلام المحلية تعمل على نقل التراث الثقافي والحضاري والأخلاقي للأجيال، كل هذه الأخطاء التربوية قد ساهمت إلى حد كبير في إنتاج عدد كبير من المجرمين والمنحرفين في المجتمع الجزائري، والأخطر من ذلك قد أدت إلى تقويض المنظومة القيمية في الجزائر والتي تعد المحصن الأساسي لأي مجتمع من كل الآفات الاجتماعية التي قد تنتشر فيه.

إيمان.ب