ظاهرة التسوّل من الظواهر السلبية التي ابتليت بها المجتمعات البشرية كافة، إسلامية وغير إسلامية، وقد تنوّعت أشكالها وصورها من مجتمع لآخر، فالبعض يقف في الشوارع المزدحمة بالناس، أو بباب المساجد والكنائس والبَيع، أو في المقابر، أو في أماكن التجمعات، والبعض يحمل آلة موسيقية ويعزف عليها، وآخرون يقومون ببعض الممارسات التي تجلب الضحك للمشاهدين، إلى غيرها من الأشكال والصور.وقد وضعت بعض الدول حلولاً للقضاء عليها، ولكنها لم تفلح إلاّ قليلاً، وهذه الظاهرة لا تقتصر على الدول الفقيرة، وإنما شملت جميع الدول حتى الغنية والمتطورة اقتصادياً..

أسباب التسول

للتسوّل أسباب عديدة لا يمكن حصرها في محور واحد ، ولكن الدافع الوحيد لها هو الحصول على المال ، وبمرور الزمن يتحوّل التسوّل نفسه إلى دافع وباعث، وإن وصل المتسوّل إلى حد الاكتفاء والإشباع أو ترقّى ليصبح من طبقة الأثرياء ، فنراه يبقى ملازماً للتسوّل إلى نهاية العمر.

يمكن لنا أن نحدّدها بالنقاط التالية:

الفقر

عدم الحصول على مستلزمات الحياة الأساسية كالمأكل والمشرب والملبس ، بسبب البطالة وعدم وجود مهنة أو حرفة لدى الشخص المتسوّل ، أو أن له حرفة ولكنها لا تكفي لسد احتياجاته، لكثرة عياله أو لارتفاع أسعار المواد الغذائية ومتطلبات الحياة.

الكسل

حبّ الراحة ، وعدم بذل الجهد العقلي والعضلي باتخاذ عمل معين أو حرفة معينة ، فيجد المتسوّل له مجالاً للحصول على المال اللازم دون تعب أو جهد يبذله، وغالباً ما يكون المال المحصّل أكثر بكثير مما لو اتخذ عملاً عضلياً أو عقلياً.

النقص العقلي والجسدي

 الذي يرافق ذوي العاهات والأمراض المزمنة والعاجزين عن العمل والمعاقين خلقة أو بسبب حادث أو عارض ما.

فقدان المعيل

 فاليتيم والأرملة الفاقدان للعائل ، قد يختاران التسوّل بسبب حرمانهما من المعيل الذي يوفّر لهما مستلزمات الحياة المادية والروحية، فيفتقدان المال والإشراف والتوجيه التربوي الذي يربّيهما على عزّة النفس وكرامتها ، ويمنعهما من اتخاذ الأعمال الوضيعة ومن إذلال النفس بالتسوّل وغيره.

التربية الخاطئة في مرحلة الطفولة

تعليم الأطفال على طلب الحاجة إلى الغير، وبطلب العون من كل أحد قد يحصل الأنس بالتسوّل فقد يتسوّل البعض للحصول على المال ، ولكن بمرور الزمن يحدث لديهم أنس بالتسوّل نفسه ، فيصبح المتسوّل ثرياً، أو قد يجد من يكفيه من المال من ابن أو من قريب أو ما شابه ذلك، ولكنه لا يترك التسوّل لاعتياده عليه، ولحدوث حالة الأنس بينه وبين التسوّل.

توارث الظاهرة من الآباء وانتقالها إلى الأبناء

: فأغلب المتسوّلين يصحبون أطفالهم أثناء التسوّل ، لتصبح مهنتهم هي التسوّل بعد التعوّد عليها وعدم وجود الرادع لهم .

المرض النفسي

ويتمثّل بعقدة الحقارة والشعور بالنقص ، وعدم الاعتراف بالذل ، إضافة إلى الطمع والجشع وعدم القناعة.

سوء توزيع الثـروات داخل المجتمع

قلّة التراحم والاقتصار على بذل اليسير من المال غير الكافي لسدّ حاجة المحتاجين، أو الذي لا يصل إلى مستحقيه بشكل عادل: فالمتسوّل قد لا يجد من يعطف عليه لإشباع حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن ، فيوزّع طلباته على كل الناس، ليجمع منهم اليسير، وليعطيه كل شخص جزءاً يسيراً من المال ، حتى يحصل بتجميعها مبلغ لا بأس به.

راي الإسلام في  ظاهرة التسوّل:

وضع الإسلام تشريعاً كاملاً وشاملاً لجميع جوانب الحياة الإنسانية ، يقي الإنسان من جميع الظواهر السلبية الخاطئة ويعالجها إذا ما حدثت في الواقع المعاش ، فالتشريع وقاية قبل الوقوع ، وعلاج بعد الوقوع ، وقد جعله الإسلام تشريعاً نموذجياً لمعالجة مشكلة الفقر والحرمان وما ينتج عنهما من ظواهر سلبية كالتسوّل وغيره، واعتبره تشريعاً اجتماعياً قائماً على أساس علاقات التراحم والتعاون.

وفيما يلي نستعرض النقاط التي تمكّن من الوقاية والعلاج لظاهرة التسوّل.

التشجيع على العمل والكسب:

قال سبحانه وتعالى* وَآيَةٌ لّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنّاتٍ مِن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ *

وقال رسول الله *صلى الله عليه وآله وسلم * أفضل الكسب بيع مبرور ، وعمل الرجل بيده *إن الله تعالى يحبّ العبد المؤمن المحترف -*

وقد جعل الإسلام للعمل مزايا وخصوصيات، فالذي يعمل بيده ويحصل على رزقه عن طريق عمله، يغفر الله له الذنوب ويحصل على ثواب كبير، وهذه المفاهيم لو كانت مشاعة في المجتمع ومغروسة فيه لتوجّه الجميع إلى العمل الدؤوب المثمر.قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:  *من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفوراً له وقال (صلى الله عليه واله وسلم * من أكل كدّ يده كان يوم القيامة في عداد الأنبياء ويأخذ ثواب الأنبياء*.

الحثّ على الاستغناء عن الناس: حثّ الإسلام على العمل والاستغناء عن الآخرين ، ونهى عن السؤال  وطلب الإعانة والاتكال على الغير قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم * استعفوا عن السؤال ما استطعتهم

وقال صلى الله عليه واله وسلم* قلّة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر، وكثرة الحوائج إلى الناس مذلّة ، وهو الفقر الحاضر*.

وخوّف الإسلام من نتائج  التسول وآثاره في الدنيا والآخرة. قال الإمام الصادق عليه السلام إيّاكم والسؤال ، فإنه ذلّ في الدنيا ، وفقر تستعجلونه ، وحساب طويل يوم القيامة

فالتسوّل ذلّ ، والإسلام كرّم المسلم وأعزّه ونهاه عن إذلال نفسه ، قال الإمام الصادق عليه السلام * *طلب الحوائج إلى الناس استلاب للعزّ ، ومذهبة للحياء ، واليأس مما في أيدي الناس عزّ للمؤمن في دينه ، والطمع هو الفقر الحاضر.*

التشجيع على االقناعة وذمّ الطمع: الطمع وعدم القناعة بما هو موجود من مال ، وعدم العيش بكفاف، يدفع بالبعض إلى التسوّل، ولذا شجّع الإسلام على القناعة والكفاف وذمّ الطمع.

قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم* طوبى لمن هدى للإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به

وقال صلى الله عليه واله وسلم*:  عليك باليأس مما في أيدي الناس ، وإياك والطمع فإنّه الفقر الحاضر *

التوجه إلى الله:

 التوجّه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والإلحاح به مع توفير شروطه ، فإن الدعاء المصحوب بالسعي للحصول على العمل وعلى الرزق ، يحقق للإنسان طلبه في الحصول عليه ، فيستغني عن الآخرين ولا يضطرّ إلى التسوّل .

من دعاء للإمام السجاد عليه السلام *اللهم لا طاقة لي بالجهد ، ولا صبر لي على البلاء ، ولا قوة لي على الفقر ، فلا تحظّر عليّ رزقي، ولا تكلني إلى خلقك ، بل تفرّد بحاجتي وتولّ كفايتي.

الحثّ على التراحم والتكامل:

حثّ الإسلام على التراحم والتكافل والتعاون ومساعدة الفقراء والمعوَزين.

قال الإمام علي عليه السلام في وصيته:  الله الله في الفقراء والمساكين ، فشاركوهم في معايشكم

وقال الإمام الباقر عليه السلام  *ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يُعرفون إلاّ بالتواضع … وتعهّد الجيران ، من الفقراء وذوي المسكنة ، والغارمين والأيتام*.

وحثّ الإسلام على إعطاء ذوي الحاجات قبل أن يبدأوا في المسألة ، واعتبرها حقاً من حقوق المسلم على المسلم .

وإعطاء المال ابتداءً ليس فيه أي إذلال للمحتاج لأنه يأخذه باعتباره حقاً له على أخيه المسلم ، وجعل الإسلام صلة الرحم واجبة تجاه الأقارب.

الإنفاق الواجب للضمان الاجتماعي:أكّد الإسلام على الإنفاق ، وأن يخرج الغني قسماً من أمواله لتعلق حق الفقراء وذوي الحاجة فيها ، وينقسم الإنفاق الواجب إلى:

1ـ الزكاة:

قال سبحانه وتعالى: ( إ*ِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* .

2 الخُمس:

قال سبحانه وتعالى* وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ*.

3ـ الكفّارات:

وهي تكليف شرعي مفروض على المسلمين المقصّرين في بعض حقوق الله أو المرتكبين لبعض ما لا ينبغي ارتكابه عمداً أو جهلاً .

فكفّارة إفطار يوم من شهر رمضان عمداً ، مخيّرة بين عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً وكسوتهم .

كفارة إفطار قضاء شهر رمضان بعد الزوال ، وكفارة إفطار الصوم المنذور ، هي إطعام عشرة مساكين فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام.وكذلك كفارة اليمين ، والقتل الخطأ ، وقتل المحرم للصيد ، ومن أحدث في جسمه حدثاً في المصاب ، وفي كل ذلك إطعام للفقراء أو كسوتهم .الإنفاق التطوّعي: الإنفاق التطوّعي هو الإنفاق المستحب الذي حثّ عليه الإسلام من أجل إشباع حاجات الفقراء والمُعْوَزين وتعميق أواصر الودّ والمحبّة بين المسلمين .

قال سبحانه وتعالى* يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ . وجعل الإمام علي عليه السلام الإنفاق من مكارم الأخلاق كما جاء في قوله*  فمن آتاه الله مالاً فليصل القرابة ، وليحسن منه الضيافة، وليفكّ به الأسير والعاني ، وليحط منه الفقير والغارم ، وليصبّر نفسه على الحقوق والتوائب ، ابتغاء الثواب ، فإن فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ، ودرك فضائل الآخرة وجعل الإسلام حق المسلم على المسلم أن يواسيه في إشباع حاجاته الأساسية .قال الإمام الصادق عليه السلام

المسلم أخو المسلم ,وحق المسلم على أخيه المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه، ولا يكتسي ويعرى أخوه.وعن عاصم أنه قال : قال الإمام الكاظم عليه السلام   يا عاصم ، كيف أنتم في التواصل والتدابر ؟ قلت : على أفضل ما كان عليه أحد،قال عليه السلام*:  أيأتي أحدكم إلى دكان أخيه أو منزله عند الضائقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه قلت: لا *، قال عليه السلام* فلستم على ما أحبّ في التواصل.وقد شدّد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على إشباع الجائعين وإكساء العراة ، حتى جعله مساوياً للإيمان ما آمن بالله من شبع وأخوه جائع ، ولا آمن بالله من اكتسى وأخوه عريان وهذه التعاليم والتوصيات لو التزم بها المجتمع لما بقي محتاج تدفعه حاجته للتسوّل .

مسؤولية الدولة في الضمان

 الدولة الإسلامية مسؤولة عن ضمان معيشة الأفراد ضماناً كاملاً وتتمثّل مسؤولياتها في مجموعة من الواجبات :

ـ ضمان معيشة الأفراد وسدّ حاجاتهم:

قال الشهيد السيد محمد باقر الصدر* فرض الإسلام على الدولة ضمان معيشة أفراد المجتمع ضماناً كاملا:

ففي المرحلة الأولى تهيئ الدولة للفرد وسائل العمل .وفي المرحلة الثانية تمارس فيها الدولة تطبيق مبدأ الضمان عن طريق تهيئة المال الكافي لسدّ حاجات الفرد ، وتوفير حدّ خاص من المعيشة لهوالمرحلة الثانية تأتي في حالة عجز الفرد عن العمل ، أو كان مورده لا يكفي لسدّ حاجاته .

ـ إلزام الرعايا في تطبيق التكافل العام:

بما أن واجب المسلمين هو رعاية إخوانهم الفقراء والمحتاجين ، فإن أخلّوا بهذا الواجب بأن احتكروا الأعمال ، أو جعلوا أسعار العمل زهيدة ، فإن للدولة حق التدخل .

قال الشهيد الصدر في هذا الصدد للدولة حق إكراههم على القيام بواجباتهم في كفالة العاجزين إذا امتنعوا عن القيام بها ، وبموجب هذا الحق يتاح لها أن تضمن حياة العاجزين وكالة عن المسلمين

إيجاد القطاع العام:

القطاع العام يتكون من موارد الملكية العامة ، وملكية الدولة ، وتكون هذه القطاعات  ضماناً لحق الضعفاء من أفراد الجماعة ، وحائلاً دون احتكار الأقوياء للثروة كلها ، ورصيداً للدولة يمدّها بالنفقات اللازمة لممارسة الضمان الاجتماعي.

ـ تطبيق التوازن الاجتماعي:

الناس متفاوتون في طاقاتهم وفي خبراتهم ، والتوازن الاجتماعي لا يعني التساوي في الدخل وإنما التوازن في مستوى المعيشة ..

إضافة إلى دور وسائل الإعلام في محاربة ظاهرة التسوّل عن طريق التثقيف والتوجيه ، وحثّ الناس على الإنفاق والتكافل الاجتماعي ، وحثّهم على تأسيس الجمعيات الخيرية ودور العجزة والأيتام ، إضافة إلى ما تقوم به الدولة من مشاريع بناء دور العجزة والمعوقين ، واستثناء الفقراء من أجور الدراسة والعلاج إلى غير ذلك ، فالوقاية والعلاج لظاهرة التسوّل لا بد وأن يتعاون فيها جميع الأفراد وخصوصاً العلماء ومَنْ بيده الحقوق الشرعية لإنفاقها في مواردها، ومن أهم مواردها الفقراء والمحتاجون .

كما لا بدّ من السعي لإفساح المجال لهؤلاء المتسولين ـ معاقين ومرضى أو أصحاء ـ للعمل وإبراز طاقاتهم وخبراتهم ومواهبهم في مجالات الحياة المختلفة كبديل نافع لهم وللمجتمع ، بعيداً عن التسوّل والذلّ والتخلّف .