يحتفل العنابيون على غرار باقي سكان الجزائر وكافة المسلمين، بعيد الأضحى المبارك الذي تعود شعيرته لسيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. ودأب العنابيون على قضاء يومي العيد وفق عادات متوارثة من الأجيال السابقة. خاصة ما تعلق بعراك الكباش ومختلف الأطباق…

لعل أهم ما يميز العيد في ولاية عنابة، الأيام التي تسبقه، حيث تبدء الاحتفالات بعيد الأضحى أسبوعين على الأقل قبل التاريخ المحدد لوقفة عرفة، حيث يقتني المواطنون أضحية العيد والتي تكون وفق معايير محددة تختلف من شخص إلى آخر. ويذهب الرجال رفقة أصدقائهم إلى نقاط بيع الأضاحي لمعاينة الأسعار والمقارنة والاختيار بعناية قبل اشتراء الكبش.

سوق القنطرة للمواشي الأكثر إقبالا هذه السنة

حسب شهادة العديد من سكان الولاية، فإن سوق القنطرة عرف هذه السنة إقبالا كبيرا للمواطنين من مختلف البلديات المجاورة، نظرا لانخفاض أسعار المواشي على مستواه، إضافة إلى النوعية الجيدة للكباش التي عرضت للبيع في هذه النقطة. وهو ما أكده العديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال وصفه بـ”سوق الفقراء” وذلك لكون أصحاب الدخل الضعيف وجدوا فيه متسعا واستطاعوا اقناء الأضحية بأسعار مقبولة.

“عراك الكباش” رمز العيد في الأحياء العريقة

تتميز الأحياء العريقة خلال الفترة التي تسبق عيد الأضحى، بعراك الكباش أو مصارعة الكباش، حيث يجلب الأطفال الكباش الخاصة بهم ويضعوها في مكان واحد، ليتم اختيار كل زوج من الكباش ووضعهم في عراك يكون للفائز فيه نصيب من الإطراء والمفاخرة. وهي العادة التي لا يتخلى أبناء الأحياء العتيقة من حي لابلاص دارم، حي جوانو، وجبانة اليهود التي تعرف أجواء العيد فيها طابعا وذوقا مميزا عن باقي الأحياء السكنية، حيث يقوم سكانها بالمبارزة بأشياء ثمينة والتخاطر على معركة الكباش، ليكون للفائز ربح مادي على حساب المعركة.

“لادوب”، “دودج”، “تايزن”، “فولت”، “لعزري”، كلها أسماء يُطلقها أصحابها للتباهي بقدرة الكبش على القتال، حيث يقومون بوضع الحنة له والاعتناء به، وإطعامه الفواكه لتقويته، إلى جانب الشعير والتبن قبل عرضه في ساحة المعركة. ويمتد صيت الكبش الفائز إلى الولايات المجاورة، حيث يقوم صاحبه بالسفر به لكيلميترات لخوض معركة مع كبش آخر في ولاية أخرى.

للمبادرات الخيرية حيز من التحضيرات للعيد

كعادتها، تعكف الأيادي السخية إلى المبادرة في مساعدة من يتعسر عليه اقتناء الأضحية من ذوي الدخل الضعيف، وذلك لعدم تحسيسهم بالنقص ولإدخال الفرحة على جميع العائلات المحتاجة.

“عيدنا عيدكم” شعار رفعته جمعية “بسمة خير عنابة” التي كان لها السبق في التحضير لاقتناء أكبر عدد ممكن من الأضاحي، وتوزيعها على العائلات المحتاجة التي تم إحصائها مسبقا والتي يكون أعضاء الجمعية على علم مسبق بحالتها. وتمت المبادرة عن طريق وضع حصالات يقوم أصحاب الأيادي السخية بوضع ما تيسر من النقوذ كل حسب قدرته ، ونصب أعضاء الجمعية طاولة على مستوى شاطئ رزقي عمر أين لاقوا إقبالا كبيرا على المبادرة. ليتم بعدها إحصاء المبلغ وتخصيصه لاقتناء الأضحية من موال على اتفاق مع أعضاء الجمعية لتقديم المساعدة.

يوم العيد

كباقي العائلات المسلمة، تقوم العائلات العنابية باستقبال العيد بالصلاة، حيث يذهب الرجال مرتدين القمصان إلى المساجد، في حين تهتم النسوة في البيت بتحضير “الكسرة” قبل أن تتم عملية الذبح حيث تتكاثف عليهن المهام. بعد الانتهاء من الكسرة يأتي دور السلطة المشوية التي لا تكاد تخلو منها الموائد العنابية خلال عيد الأضحى. بعدها وبانتهاء الصلاة، يباشر الرجال بذبح الأضاحي والتعاون عليها، حيث يجتمع على الكبش الواحد قرابة 3 أشخاص لتقسيم المهام بينهم وإنهائه في أقصر وقت ممكن.

وتفضل بعض العائلات، قضاء العيد في منزل العائلة الكبيرة، حيث تجتمع العائلات الصغيرة رفقة أولادها في منزل الجد ليتم التعاون على الذبح والسلخ والتنظيف ومن ثم الاجتماع على مائدة طعام موحدة تطبعها أجواء مميزة حسب شهادة أحد الشباب، الذي أكد أن العيد لا يحلى إلا بلمة العائلة الكبيرة لما فيه من تغافر وتعاون من شأنه أن يوطد العلاقات بين الأفراد.

من جهتهن، تتسابق النسوة على  “تشواط البوزلوف” وتنظيف الأمعاء، ومن ثم تحضير أسياخ اللحم للتمتع بالشواء في جو عائلي.

وبعد الانتهاء من الأكل، تسارع العائلات إلى التغافر فيما بينها إما عبر الزيارة أو عبر الاتصال للمعايدة.

ويقوم البعض بمنح العائلات الفقيرة التي لم يكن باستطاعتها اقتناء أضحية العيد، مقدارا من اللحم وذلك ضمن الشعائر الدينية التي حث الإسلام على تطبيقها.

من جهة أخرى، يقوم بعض الشباب المبادر بتنظيف الحي عقب الانتهاء من عملية الذبح، وذلك للقضاء على الدم وإبعاده، لئلا يتشوه منظر الحي. وهي المبادرة التي أطلقتها مجموعة الدراجة الخضراء التي قامت بتوجيه نداءات للمواطنين عبر صفحتها على الفيسبوك، تدعو إلى اقتناء كيس ووضع مخلفات الأضحية فيه تجنبا لرميها في الطرقات، وهو الطابع الغالب على الأحياء خلال يوم العيد.

وإن كانت المبادرة فعالة في بعض المناطق، فإنها لم تُعتمد في مناطق أخرى، حيث طبع على العديد من الأحياء مناظر مخزية، نتيجة رمي الجلود ومخلفات الذبيحة في الطرقات والأرصفة ما أدى إلى تشويه المنظر العام.

روميساء بوزيدة