تسعى الكثير من الفتيات لتطوير أنفسهن والبحث عن فرص أفضل للعمل والدراسة، وفي كثير من الأحيان يقابلن فرص العمر في بلدان أجنبية، هنالك يبدأ حلم الهجرة والرغبة في مغادرة الوطن للدراسة أو التوظيف، لكن عائق السفر من دون محرم يحول بينهن وبين بلوغ الهدف، فتتحطم أحلامهن قبل أن تتحقق.

بين الدين والأعراف الاجتماعية

تختلف الرؤى وتتباين حتى بين رجال الدين، بين من يعتبر أن سفر المرأة من دون محرم، محرما شرعا في جميع الحالات، وبين من يبيح ذلك بشروط دقيقة، إلا في حين كان التخصص الذي ستدرسه المرأة خارج موطنها غير موجود فيه أو غير ميسر لها الالتحاق به، وهو تخصص يفيد البشرية ويطابق فطرتها كامرأة. بالإضافة إلى موقف الدين الحنيف من سفر المرأة لوحدها، تقف الأعراف الاجتماعية هنا في الجزائر، كعائق آخر فأغلب العائلات المحافظة ترفض ترك بناتها للإقامة بعيدا عنها، خوفا من أن تنحرف الفتاة ولا تجد من يقومها، أو أن تحتاج في بعض محطات حياتها وجود رجل يسندها ويساعدها ويحميها. وهذا الأخير، هو مقصد الدين من تحريم السفر من دون محرم، حسب ما يفسره المشايخ والمفتون.

عائلتي ترفض الهجرة بمفردي

سناء، شابة جامعية، تحصلت على شهادة الماستر في اللغة الإنجليزية سنة 2018، بامتياز، وتم انتقاؤها تلقائيا للحصول على منحة دراسية إلى بريطانيا، تقول سناء: “السفر والإقامة في أحد البلدان الإسكندنافية حلم يراودني منذ ولوجي الجامعة أول مرة، لكنني لم أتجرأ على إبلاغ عائلتي به، ولا على اجتياز امتحان المرور، لأنني متيقنة من رفض والدي وإخوتي لفكرة السفر، فهم يعارضون فكرة المبيت في الإقامة الجامعية، فضلا عن الإقامة بعيدا عن الوطن..”. أما نائلة، 31 سنة، من البليدة، متحصلة على شهادة عالية في الكيمياء، لديها خبرة 6 سنوات في صناعة مواد التجميل، قدمت بمحض الصدفة على وظيفة في الإمارات العربية، فتم قبولها، وعرض عليها راتب مغر جدا، مع إقامة شاملة.. تروي نائلة موقف عائلتها: “.. لما تم التواصل معي سعدت جدا، وشعرت بأنها فرصة العمر التي لا تعوض، لكن كيف أحدث والدايّ في الأمر؟ أبي رفض بحجة أن الناس ستتكلم عنا، وأخبرني أنه علي البحث عن عريس بدل البحث عن الهجرة والاغتراب بعيدا، وأمي سردت علي شريطا من الأحداث والتوقعات، وأخبرتني أنه في حال توفيت، وهي المريضة، لا يمكنني رؤيتها.. أصبت بالإحباط”.

الزواج جواز سفر الراغبات
في الهجرة

يزيد اهتمام الفتيات الراغبات في الهجرة بالزواج، فهن في العادة يبحثن عن رجل يمكنه أن يقاسمهن وحشة الغربة، ويشكل بالنسبة إليهن جواز السفر الذي يعبر عن رأي الدين ومعتقدات المجتمع. أماني، واحدة من هؤلاء، بدأت التجارة وهي شابة عشرينية في الجامعة، وتطور نشاطها إلى الاستيراد، وهي تحلم وتخطط منذ سنوات كيف تتمكن من السفر للسياحة وجلب السلع، فوالدها شيخ مسن وعلاقتها بمحارمها من أعمام وأخوال سيئة، جربت مرة السفر إلى دبي، تقول: “تحصلت على سكن شيرينغ لي ولأخي الأصغر، أقمت أنا في غرفة مع فتيات من مختلف الجنسيات، وكذلك أخي مع شباب آخرين، جلبت بعض السلع وبعتها، لكنني اكتشفت أنني أنفقت على سفرنا أكثر بكثير من أرباحي، فقد سجلت خسارة كبيرة، وعلي العودة بمفردي، لهذا، أفكر بجدية في الارتباط فقط لهذا السبب، ولكن كل من يتقدم إلي يرفض فكرة الهجرة.. إنه الحظ الذي لا يحالفني..”.

يقول الدكتور المفتي دحماني عبد الصمد، إنه رغم تغير الزمن وتطور المرأة في جميع الميادين، وزيادة الحاجة إلى علمها وخبرتها وخدماتها، إلا أنه لا يجب الخروج عن تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة، التي تحرم سفر المرأة لوحدها، مهما بلغت الضرورة، وهذا كله ملخص في قول الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام-: “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ليلة، إلا ومعها رجل ذو حرمة منها”. وفي نظر الدين، ليست الدراسة بضرورة تبيح السفر بغير محرم في وقتنا الحالي، ولا العمل للمرأة، مادام كل هذا متوفرا في وطنها وفي جامعاته، وحتى عبر الإنترنت.

ق.م