حذر خبراء اقتصاديون في الجزائر من أن ارتفاع مستويات التضخم خلال الفترة المقبلة سيؤدي إلى اتساع مساحة الفقر في البلاد، وتزامنت هذه التحذيرات مع تقرير للبنك الدولي يتوقع صعودا لأعداد الجزائريين الذين يعيشون تحت خط الفقر.

وطبقا لتقديرات البنك فإن كل فرد يقل دخله اليومي عن دولار ونصف دولار يعد من هذه الفئة، ويبلغ عدد الجزائريين حاليا الذين يقل دخلهم اليومي عن 18 ألف دينار خمسة ملايين شخص من بين أكثر من أربعين مليونا هو عدد سكان البلاد.

وتوقع التقرير أن ينضم أربعة ملايين غيرهم، ما يعني أن ربع سكان الجزائر تقريبا سيعيشون تحت عتبة الفقر في نهاية 2018.

توقعات حقيقية

وكانت الحكومة الجزائرية صادقت على جملة من الإجراءات الجديدة بهدف تدارك الأزمة المالية، ومن بينها عدم اللجوء إلى الاستدانة الخارجية والتعويل على التمويل الداخلي.

ويرى أحد المحللين الاقتصاديين أن البنك الدولي لم يبن توقعاته من فراغ بل بناء على دراسات تستند إلى معطيات دقيقة حول الاقتصاد الجزائري، معتبرا أن تقريره ذو مصداقية.

ويشير المتحدث إلى أن الحد الأدنى للأجور في الجزائر حاليا هو 18 ألف دينار شهريا بمعنى 600 دينارا يوميا، ويضيف “وإذا تصورنا أن أسرة من ستة أفراد، وأجرة معيلها عند هذا المستوى فهذا يعني أن نصيب كل فرد هو 100  دينار يوميا، وهذا معناه أن ربع الشعب الجزائري تحت عتبة الفقر”.

وتوقع أعدادا أكبر لمن يعيشون تحت عتبة الفقر مع اعتزام الحكومة طباعة الأوراق النقدية لتغطية العجز، دون أن تكون هناك ضمانات اقتصادية حقيقية مقابل الدولار.

اللقمة تدفع إحداهن لبيع ملابسهاعلى الأرصفة

في حديقة مهجورة، وبعيدا عن أعين الشرطة، تتخذ “خالتي يمينة”، التي تخطت عقدها السابع، زاوية لها لبيع ملابس بالية وأجهزة كهرومنزلية تظهر للوهلة الأولى أنها التقطت من القمامة..  تمارس هذه المهنة منذ سنوات بعد أن رمى بها القدر في أحضان الفقر، وتروي لنا قصتها التي تشبه حكايات  أخريات امتهن البيع على الأرصفة لكسب قوتهن.

لم نصدق الأثمان البخسة التي تقبضها خالتي يمينة مقابل بيعها ملابس وأدوات مستعملة …وبعد الاستماع إليها للوقوف على ما تجنيه مقابل العمل في هذا السوق التي احتلتها النسوة في منطقة  “باش جراح منذ سنوات…تقول خالتي يمينة “ماخرجنيش الخير”.

“أنا أم لخمسة أولاد كلهم عاطلون عن العمل وزوجي عاطل عن العمل، فوجدت نفسها بعد سنوات قليلة من زواجي، مجبرة على العمل من أجل إعالة أفراد أسرتي وعملت كمنظفة ومهنا شاقة أخرى إلى أن وجدت هذا المكان الذي أبيع فيه ملابس قديمة وأدوات أجلبها من منزلي أو أبحث في القمامة علي أجد ملابس رمى بها البعض من ميسوري الحال، وإذا لم أجد اضطر لشراء ملابس مستعملة وأعيد بيعها”.

تتحدث  خالتي يمينة بمرارة عن قصتها مع هذا السوق، فهي و لعدم حيازتها لشهادة مدرسية، لم تجد بديلا عنها لجلب المال وسد رمق أفراد عائلتها، بمن فيهم زوجها. تؤكد يمينة بأن الحياة لم تبتسم لها بعد، و بأن الواقع المرير الذي تعيشه لم يتحسن، فهي لا تزال تعيش داخل بيت مغطى بالقرميد المثقوب والجدران البالية  وتضطر لجلب قوارير الغاز بنفسها في عز الشتاء البارد..

أما عن نشاطها في السوق قتقول إنه بات يهيمن على يومياتها، رغم الدراهم المعدودة التي تجنيها من البيع ورغم الصعوبات التي تعترضها.

الشجار يصنع يوميات “دلالة النساء”

عند في الوقوف في السوق الذي تتواجد فيه قرابة 60 امرأة تسمع صوت شجار لأحدى بائعات السوق مع إحدى الزبونات، اتضح فيما بعد أن أحدى الزبونات التي اشترت من البائعة فستانا طالبت بإعادة المبلغ المقدر بـ50دينار جزائري فثارت ثائرة البائعة التي رفضت رد المبلغ ..

ورغم أن الشجار اللفضي تحمل إلى استعمال الأيادي، إلا أن باقي البائعات لم يحكرن ساكنا،  وواصلن بيعهن، وقالت خالتي يمينة حين رأت تعجب المارة من ذلك أن هذا المشهد بات من يوميات “سوق النساء” اللواتي يخضن معارك يومية ورفعن شعار “سلعتنا لاترد ولا تستبدل “.

زبونات من نوع خاص

رغم أن السلع التي تعرض في هذا السوق لاتصلح للاستعمال،  إلا أن عديد النساء يقبلن عليه  نظرا لثمنها البخس، وهو حال امراة اشترت “مكواة” غير صالحة للاستعمال بمبلغ 100دينار جزائري، فسألناها لم تقتني مكواة غير صالحة وأخبرتنا بأن زوجها مختص قي تصليح المواد الكهرومنزلية القديمة وسيصلحها ولن يكلفها الأمر الكثير،  في حين أقدمت سيدة أخرى على شراء حذاء  شتوي رث وبررت شراءها له بعدم امتلاكها النقود الكافية لشراء حذاء جديد.

النقاب والنظارات للاختفاء

تتخفى البائعات بالنقاب لئلا يتعرف عليهن من قبل المارة أو زميلاتهن في سوق الدلالة. وهو الأمر الذي يكشف الظروف الإجتماعية الصعبة التي تمر بها نساء السوق والزبونات كذلك. حيث يضطرن للعمل  وكسب قوتهن في سرية حتى لاتصبحن حديث نسوة الحي، وحتى لايقال زوجة فلان تبيع ملابسها.

 نساء السوق وملاحقات الشرطة

لال التجول في السوق تسمع أصوات تتعالى  “عناصر الشرطة قادمة، أسرعن إنهم يحجزون السلع…”، هذه بعض العبارات التي وقعت عليها مسامعنا حيث باتت نسوة السوق يقضين يومهن في ممارسة لعبة “القط والفأر” مع مصالح الأمن التي تطاردهن تارة وتحجز بضاعتهن تارة أخرى، وهو ما يخيفهن بسبب عدم امتلاكهن لتصاريح استغلال المكان، وما هي إلا دقائق حتى أصبح السوق شبه خال من البائعات والزبائن، بسبب احتلال رجال الشرطة للمكان.

العجين والتنظيف مصير الأخريات

مهما تنوعت الحرف  في أوساط النساء الفقيرات اللائي أجبرتهن الحاجة على العمل، يبقى التنظيف، سواء كان بالمؤسسات أو البيوت، المهنة  الأكثر شعبية في الجزائر، نظرا لبساطتها و كونها عملا يوميا من أعمال أي سيدة، و يمكن لأي إمرأة أن تقوم به، خلافا للحرف و المهن الخاصة. فالفقر المدقع الذي تعاني منه الاف النساء، يدفعهن للبحث عن حل في المتناول، ومن الحلول أيضا اللجوء لتحضير مختلف المعجنات وبيعها للمحلات.

الحديث و إن استمر عن قصص السيدات المكافحات لتوفير لقمة العيش لأسرهن يطول، في ظل توفر مئات إن لم نقل آلاف العينات، في الريف و في المدينة وفي كل شبر من الجزائر، حرائر لم يمددن أيديهن للمجتمع، و لم يستسلمن للظروف المزرية، بل حولنها إلى وقود لشحن محركات إرادة تسكن بداخلهن..

والواقع يروي قصصا تختلف أحيانا و تتقاطع أحيانا أخرى في بعض تفاصيلها، روايات كثيرة ليوميات نساء وجدن أنفسهن مجبرات على لعب دور المعيل في ظل وفاة أو غياب أو عطالة رب الأسرة.

مخاوف…

ممارسة المرأة الجزائرية لأعمال شاقة  دليل آخر على تصاعد معدلات الفقر في الجزائر لتضرب صميم الأسر الجزائرية   وسط  تدني مستوى معيشة السكان، حيث حذرت تقارير من انحدار شريحة من السكان تحت عتبة الفقر، قدرتها بـ10 في المائة من السكان، وسط توقعات بانكماش نمو الناتج المحلي الخام حسب الفرد بالجزائر إلى مستوى سلبي في حدود 0.6 في المائة، وهو ما سيساهم في بروز مضاعفات منها ضعف القدرة الشرائية وتدهور مستوى المعيشة للسكان.

بات موضوع التفاوت الاقتصادي الهائل  وغياب المساواة الاقتصادية، خاصة تلك المتعلقة بتوزيع الدخل والثروات أضحى يطرح بحدة خلال العقدين الماضيين . وقد عرفت هذه الفوارق اتساعا في مجال توزيع الثروة والدخل، لاسيما خلال العشرية الماضية، موازاة مع تأثر شريحة كبيرة من الطبقة المتوسطة أيضا.

 ومع الظروف الإقتصادية التي تعيشها الجزائري , تشير تقارير أخرى إلى زيادة عدد الأسر الفقيرة بالجزائر الأمر الذي يدل على التحول نحو النشاط الموازي والفوضى في النشاط التجاري الذي سينعكس لا محالة سلبا على الإقتصاد الجزائري على المدى المتوسط.

ق.م