التدخين عند الرجال في مجتمعاتنا العربية أمر طبيعي، رغم تحذيرات منظّمات الصحّة العالمية من مخاطره على صحة مستهلكه، تمامًا مثل التدخين عند النساء في المجتمعات الأوروبية، بينما في المجتمع العربي وخاصّة الجزائري، تكاد الظاهرة تدخين النساء لا تكون موجودة، لأسباب وعوامل ترتبط بالتقاليد والعادات وطبيعة المجتمع الجزائري.

كانت قلّة قليلة فقط من النساء، من يدخنّ سجائرهن بعيدًا عن أعين الناس، سواء في الشارع أو في الأسواق أو في الفضاءات العمومية، لذلك تفرّ المدخّنات إلى صالونات الشاي وأحيانًا إلى المراحيض أو الحدائق غير الخاضعة لرقابة أعوان الأمن، وغيرها من الأماكن التي تشكّل ملجأً للفتيات أو النسوة المدخّنات، غير أنّ الظاهرة بدأت تخترق “الخطوط الحمراء” التي رسمها المجتمع بتقاليده وعاداته وأعرافه، حيث تجد بعض الفتيات اليوم، يُدخنّ سجائرهن أمام الملأ دون اكتراث لأحد.

وغالبًا ما تلاحق هؤلاء الفتيات، نظرات سلبية من المجتمع، وهناك من يرفض هذه الفكرة، على اعتبار أنه ليس كل المدخّنات سيئات السمعة أو غريبات الأطوار كما يعتقد البعض، بل إنّ فيهن من ترى السيجارة رفيقتها التي “تخلصها” من المشاكل أو تراها مجرد وسيلة للهروب من الواقع أو موضة أو تصرّف منفتح مرتبط بالحرية الشخصية للأفراد بعيدًا عن أحكام المجتمع.

وتبرز ظاهرة تدخين النساء بالجزائر في أوساط الجامعة وقطاع التعليم والتربية كالثانويات  والقطاع الإعلامي، والفني، والشركات التجارية، أو في الملاهي الليلية، لذلك يسجّل مختصّون ارتفاعًا في نسبة التدخين عند النساء الجزائريات كما في باقي دول العالم.

ووسط انتشار الظاهرة بين الجنس اللطيف، يتساهل المجتمع الجزائري مع الرجل المدخّن، بينما يتعامل مع المرأة التي تتعاطى التدخين بصورة مريبة وغريبة في الوقت ذاته، تتجلى في نظرات الازدراء والاحتقار، وتترك أسئلة كثيرة حول مدى تطابق نظرة الرجل إلى سلوك وأخلاق المرأة المدخنة.

تقول سارة فتاة وهي سابة في العقد الثاني من عمرها، طالبة بكلية الآداب بإحدى جامعات الجزائر، أنّ التدخين يساعدها على نسيان مشاكلها وكذا هموم الدراسة، رغم وعيها بمخاطره على صحّتها، لكن تفضله عندما تكون في حالة قلق لتخفف من حدّة توترها، تدخن سجائرها خفية عن أعين الناس “ولا تبالي بنظرات المجتمع إلى سلوكها”.سارة مثال يعكس واقع حالات كثيرة للنساء المدخنات في الجزائر.

لماذا تدخّن الفتيات؟

وعندما سُئلت سارة عن سبب التدخين، أجابت: “تعاطيت التدخين بعد تجريبه مع صديقة لي في الجامعة، كنت لا أتحمل رائحته واليوم أنا مدخنة، ولم يكن عندي أي سبب يجعلني أدخن، لكن ربما الفضول دفعني إلى ذلك”.

وأضافت سارة: “صحيح هو مضر  بالصحّة ولكن هذا يشمل الجنسين ولا يقتصر على النساء فقط، فلماذا ينظر إلينا بطريقة يسودها الظلم والاحتقار”.

وبرّرت سارة حديثها؛ أنّه ليس كل المدخنات سيّئات السمعة والأخلاق بل هناك المنضبطات، لكنّه أصبح معيارًا للحكم على أخلاق المدخّنات”. وعن المكان المفضل عندها للتدخين تجيب أنّه لا يوجد مكان مفضل، بل يمكن أن يكون مكانًا لا يمكن للآخر أن يراك كالحمام، أو غرفتها بالمنزل أو في صالونات الشاي”.

ويرى أمين، شاب عشريني، أنّ تدخين الفتيات أصبح ظاهرة خطيرة في المجتمع لارتفاع عدد المدخّنات، وصرّح لـ”جيل” أنّ التدخين قبل أن يكون موضة أو حرية شخصية تختفي وراءها المرأة هو سلاحٌ فتاك يهدّد صحّتها.

واعتبر أمين أنّ الخطر يهدّد أيضًا “الجنين” ويقصد النساء المتزوّجات اللواتي يدخنّ ولا يبالين بعواقبه على أطفالهن.

تأثير المسلسلات

ويُرجع المتحدّث الأسباب إلى غياب الوعي عند الرجل والمرأة بمخاطر التدخين، وتهاون لأولياء في متابعة ومراقبة بناتهن عند البلوغ وبعده لاسيما من خلال مرافقة أصدقاء السوء، فضلًا عن التقليد الأعمى للمرأة الغربية “المتحررة” من خلال السينما والمسلسلات الدرامية.

وبحسب طبيبة نسائية، فإنّ جسم المرأة أقلّ استعدادًا لطرد مادة النيكوتين من الجسم، كما أنّ طبيعتها البيولوجية والجسمانية تزيد مخاطر التدخين عليها وعلى الجنين.

وتؤكّد أنّ التدخين يؤخّر نمو الجنين داخل الرحم، بسبب تأثير غاز أوكسيد الكربون المنبعث من السيجارة، وتراكمه في الرئتين يؤدّي إلى قلّة وصول أكسجين والمواد الغذائية المنقولة عبر المشيمة إلى الجنين، مما يؤدّي هذا إلى موت الجنين أو تشوّه جسده.

أرقام مخيفة

تكشف آخر الإحصائيات، أنّ نسبة 45 من الشباب المراهق في الجزائر يتعاطون التدخين، بينهم 8 في المائة من الإناث، وتوضح الإحصائيات أنّ التدخين عند النساء انحصر بصورة كبيرة في صفوف الطالبات الجامعيات لاسيما المقيمات داخل الإقامات الجامعية، حيث قُدّرت النسبة في ـ20 بالمائة من المقيمات.

وبشكل عام حول ظاهرة التدخين في العالم يشير تقرير أصدرته منظمة الصحّة، أنّ التبغ يودي كل سنة بحياة 6 ملايين نسمة تقريبًا، منهم أكثر من خمسة ملايين ممّن يتعاطونه أو سبق لهم تعاطيه، وأكثر من 600000 من المدخّنين السلبيين.

ويحذّر التقرير من ارتفاع عبء الوفيات بحلول عام 2030، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة. وذكرت المنظمة أنّ نحو 80% من المدخنين البالغ عددهم مليار شخص على الصعيد العالمي، يعيشون في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

مُدخّنات يصفن مُنتقديهن بالتخلف والانغلاق

وإلى وقت غير بعيد، كانت النساء المدخنات لا يتجرأن البتة على الظهور بسيجارتهن إلى العلن، ويفضلن الاختباء داخل المراحيض العمومية أو مراحيض المؤسسات خاصة بالجامعات، للتمتع بتدخين سيجارة ولو بين القذارة، فغالبية المراحيض النسائية خارجا، غارقة في روائح السجائر، كما أن بعض الرجال المتزوجين يجهلون إلى اليوم أن زوجاتهم من المدخنات.

(م) من ولاية داخلية، متزوجة بالعاصمة، منذ خمس سنوات، أكدت أن زوجها يجهل إلى اليوم أنها تدخن، وعن سبب إدمانها السجائر، قالت: ” تعلمت السلوك في إقامة جامعية بالعاصمة، لأن زميلاتي في الغرفة كن مدخنات، ولم أتمكّن من الإقلاع عن الظاهرة السيئة، فهمّي اليومي قبل زواجي كان انتهاز فرصة غياب الأهل من المنزل لتدخين سيجارة، وبعد زواجي لم أجرؤ على مصارحتي زوجي، ولا أزال إلى اليوم أدخن في غيابه، خاصة أنني لم أرزق بأولاد بعد”.

وفي حديث مع بعض المدخنات وغالبيتهن من الموظفات، يلاحظ  اقتناعهن بما يقمن به، إلى درجة أنهن وصفن من ينتقدهن “بالتخلف والانغلاق”. (رانيا)، موظفة بإحدى الوزارات في 33 من عمرها، تقول إن التدخين جزء من شخصيتها المتفتحة والعصرية، وإنها لن تقبل بعريس يجبرها على تركه!! أما (س)، أستاذة جامعية، فلا ترى مانعا في تدخين المرأة في الشارع أو المقهى، مؤكدة أنها نفسها تدخن في قاعة الأساتذة بالجامعة، وأن تدخين المرأة لا علاقة له بأخلاقها.

مختص اجتماعي: المرأة لجأت إلى التدخين لتزيد من فرص مساواتها مع الرجل

اعتبر أحد المختصين الاجتماعيين، أن خروج المرأة للعمل في السنوات الأخيرة، ومزاولة كثير منهن وظائف كانت حكرا على الرجال فقط، وتقبل المجتمع للظاهرة، جعلهن يطمحن في مزيد من الحرية والتمرد على العادات الاجتماعية، بعدما أصحبن شركاء للرجل في جميع المجالات. وأكد المختص أن تركيبة المجتمع الجزائري تجعله لم ولن يتقبل تدخين النساء في الأماكن العمومية مهما علا منصبهن الاجتماعي، لأن الظاهرة يُنظر إليها على أنها تمرد على أخلاق المجتمع. ويضيف: “مهما التزمت المرأة بحسن الأخلاق، فمجرد حملها سيجارة يجعل المجتمع ينظر إليها بدونية واحتقار”. وتأسف المتحدث لكون المدخنين سواء كانوا نساء أم رجالا يجهلون تحريم التدخين شرعا، لأنه إضرار بالنفس التي حرم الله أذيتها، خاصة على المرأة التي تنجب وتربي أجيال المستقبل.