تعج أروقة المحاكم الجزائرية بقضايا العنف الأسري، أغلبها لزوجات يتعرضن لمختلف أشكال التعنيف، ضرب، سب، شتم وتشهير وأحيانا حتى القتل، وقضايا أخرى تسجلها المصالح الأمنية بكثرة مؤخرا، تخص أزواجا يتعرضون لمثل هذه الاعتداءات من قبل زوجاتهم، كانت سابقا طي الكتمان أو الإهمال.

الضعف المادي والجسدي يعرض أزواجا للضرب

فتحي، كهل في الخمسينيات من العمر، يعمل حمالا ينقل البضائع من الشاحنة إلى المحلات، متزوج وله ستة أطفال، مصاب بمرض الصرع، تقوم زوجته الأربعينية بتعنيفه، وإسداء الإهانة إليه والضرب بأي شيء تطاله يدها من أمامها. تقول ابنته التي لم تتخط سنها العشرين: “لأمي شخصية فلاذية، تتحمل نوبات مرض والدي، تجابه ذلك لوحدها، أحيانا يخبرها الجيران بأنه ملقى في الشارع، فتسارع إليه تساعده، ويتأبطها إلى المنزل أو المستوصف، تتعاون معه على مصاريف البيت من صناعتها للحلويات.. كل هذا لا يحجب صورة السيدة العنيفة التي تؤذي زوجها بعبارات جارحة قبيحة كلما فتحت فمها، وتضربه على مرأى أبنائها الستة إذا أغضبها أو رفض لها طلبا، حتى إن والدي يصاب بنوبات الصرع عندما تضربه أحيانا..”. تضيف ابنة فتحي أن هذا الأخير تعرض مرة لاعتداء جسدي بواسطة أداة بسط العجين الخشبية، ما أرداه أرضا متضررا من نوبة صرع طويلة أيضا، وقد تم نقله إلى المشفى، حيث أقبلت إدارة المشفى على طلب رجال الأمن والتحقيق في الأمر، وأجبر فتحي على إيداع شكوى لتتوقف زوجته عن تعنيفه، ولم تكن تلك آخر مرة يقدم فيها شكاوى ثم يعود ليتنازل عنها لاحقا ويسامح زوجته، لأنها تتحمل مرضه وعبء أولاده.

العنف المعنوي أشد أذى للرجل

باستثناء العنف الجسدي، والتعدي بالضرب على الزوج، هناك أوجه ضرر كثيرة تصيب بها المرأة رجلها، حيث يعتبر السب والشتم والتشهير من أكثر القضايا التي تجوب المحاكم الجزائرية أيضا، التي تتسبب في عقد وأمراض نفسية وخراب بيوت إذا ما تعرض لها زوج يعيش في مجتمع ذكوري، يقدس الصفات الرجولية. سماح، هي الجلاد والضحية في قصتها الغريبة، التي ترويها بذاتها: “.. تزوجت موظفا حكوميا بشركة مرموقة، مستقل ماديا، لكن شخصيته متذبذبة جدا، إذ يتعمد تجريحي أمام الملإ، ويثير السخرية حولي خاصة بحضور عائلته، هذا الأمر استفزني كثيرا وأنا التي كنت خجولة جدا وانطوائية، ما جعلني أتعلم الرد عليه وأتفنن في إيذائه لفظيا مثلما يفعل، خاصة بعدما اكتشفت أنه لا يمكنه الإنجاب، ثم أحيل مبكرا على التقاعد. أعترف بأنني تماديت كثيرا، ودخلت مرحلة الانتقام اللذيذ..” زوج السيدة سماح لم يتحمل الأمر، وبتحريض من أصدقائه وعائلته، قام بتطليقها ورفع العديد من القضايا، منها الشتم والتشهير والابتزاز، وتمكن من إثبات كل ذلك بشهود.

هذا، وتختلف ممارسات العنف المعنوي وتتعدد، إذ يشتكي بعض الأزواج من تسلط زوجاتهم، واستعمالهن الأطفال أو الحقوق الشرعية للضغط على الزوج أو استنزاف أمواله أو وضعه في حالة نفسية حرجة، بحيث إن هناك آلاف الحالات حيث تتمكن الزوجة من الحصول على دلائل وبراهين عن خيانة زوجها، أو انحرافه، وتظل ممسكة بها مع التهديد بفضحه وسط العائلة أو مع زملائه، فيما تستخدم زوجات أخريات أبناءهن أو الحق في المعاشرة الزوجية للحصول على المال أو لقضاء مآرب أخرى. يكتب “ش. ل” على حائط مجموعة فايسبوكية طالبا المساعدة من أهل القانون: “في كل خلاف مع زوجتي سببه رغبتها في الحصول على المال بمبالغ كبيرة أو السفر أو إقامة العزومات، تأخذ أبنائي وتمنعني من رؤيتهم ببيت أهلها لمدة تفوق الشهر أحيانا، حتى إن حياتنا الحميمية مشروطة بالمال والمقايضة..”.

عنف الزوجة ضد الزوج ينتشر بوتيرة تصاعدية مخيفة، إلى حد أصبح يصنف كظاهرة اجتماعية في الجزائر، إذ ورغم الذكورية السائدة، هناك سيدات يستقوين على الرجل ويستعملن معه العنف الجسدي والمعنوي بشتى أساليبه، ولهذا تفسيرات عديدة من قبل الخبراء، إذ يرجح الأخصائيون النفسانيون أن الظاهرة ناشئة عن التحرر الذي تشهده المرأة والاستقلالية، ما يعزز شعورها بالقوة والتملك وحب السيطرة، من ناحية أخرى الضعف الذي قد يكون عليه الزوج كالمرض، أو الضعف الجنسي أو المادي والدخل الضعيف.

ق.م