كشفت مصادر مطلعة أن الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية في الجزائر أمير موسوي كان قد أعلن في 23 سبتمبر أنه سيغادر منصبه، بعد أربع سنوات قضاها في الجزائر، وشهدت عدة سجالات على خلفية اتهامه بنشر “الفكر الشيعي”.
ومنذ تعيينه في منصبه في فيفري 2015، قام المدير السابق لمعهد الدراسات الإستراتيجية في طهران، والدبلوماسي الذي شغل مناصب في دول عدة، بجولات عبر الولايات، من بينها عنابة، حسب ما أفادت بها مصادر موثوقة لـ “الصريح” .

وتحدثت مصادر عن أن “السلطات الجزائرية استجابت لمطالب الجزائريين لطرد هذا الملحق الثقافي وإن كان الطرد لم يكن معلناً بل بطلب قُدم للسلطات الإيرانية شهر ماي الماضي حول أن الاخير غير مرغوب فيه ونشاطاته محرجة للجزائر، وهو ما لا يمكن أن ترفضه طهران”، لكنها أجلت إجراءات الترحيل.
وكانت “الصريح” قد كشفت أول أمس في مقال” استقصائي” عن شبكة لترويج المذهب الشيعي بعنابة، بعد اكتشافها لشبكة تنشر التشيع وسط الفتيات و الشباب بالولاية مقابل مغريات مادية ومعنوية ، اثر ورودها لمعلومات تفيد بمكان تواجد الشبكة، لتجري بعدها الجريدة تحقيقات موسعة لمدة تجاوزت الشهرين .
حيث تمكنت جريدة “الصريح” من وضع يدها على شبكة للشيعة امتد نشاطها إلى عنابة، واستطاعت “الصريح” أن تصل إلى الرأس الذي يحرك هذه الشبكة بالولاية، ولن تكون إلا المدعوة “طبيب وافية” المتهمة سابقا في قضايا عديدة تخص الترويج للمذهب الشيعي بالجزائر، والتي حطت رحالها هذه المرة بعنابة، واختارت لها سكنا في زاوية معزولة بـ”شابوي” للإقامة فيها.
كما أن نشاطها كان يحاول حسب ما توصلت له الصريح أيضا استهدف فتيات، بمحاولة إقناعهن بخدمة المد الشيعي في الجزائر مقابل مغريات تمنحها لهم، ووفق ما أفادتنا به بعض المصادر فان المعنية التي حلت بعنابة وتقيم فيها منذ أزيد من شهرين معروفة بنشاطها في الوسط الجامعي، أين استطاعت أن تشيع العشرات من الفتيات.
ومن خلال عمليات بحث متقدمة قمنا بها وجدنا ان “طبيب وافية” المتنكرة تحت اسم “هناء” تعد واحدة من رموز الدعاة للتشييع في الجزائر، وأفاد البعض أنها تربطها علاقة وطيدة بالملحق الثقافي السابق بالسفارة الإيرانية بالعاصمة الجزائر “أمير موساوي”، الذي كان متهما بممارسة العمل الاستخباراتي والعمل لصالح دعوة التشييع في الجزائر، وشراء الولاءات، وقد تعرض هذا الأخير سابقا لانتقادات حادة طيلة الفترة التي قضاها بالجزائر على مدار 3 سنوات، لمحاولته استثمار تحكمه في اللغة العربية وحتى الفرنسية في التقرب من الجزائريين الشيء الذي سماه البعض بمحاولة الترويج للمذهب الشيعي تحت ستار العمل الثقافي، خاصة وأن موساوي” كان مدافعا شرسا عن حسن نصرالله وحزب الله اللبناني.
و يؤكد العارفون لتفاصيل التشييع بالجزائر أن”طبيب وافية” التي حطت رحالها بعنابة، أدت دورا كبيرا في نقل هذه الدعوة إلى الولايات، حيث سبق لها السفر إلى قسنطينة، أين عملت على الترويج لنشاطها قبل أن يتفطن لها أحد التنظيمات الطلابية بالوسط الجامعي وينتفض ضدها بعد وروده معلومات بنجاحها في إقناع عشرات الطلاب والطالبات بفكرة التشيع، وفتحت الطريق أمام مجموعة من الشباب للسفر إلى مدن طهران، والنجف العراقية.
وحسب تحقيقاتنا فإن “طبيب وافية” التي يقال أنها تشيعت إبان الحرب الإسرائيلية على لبنان جهرت بدعوة الجزائريين للإيمان بالمذهب الشيعي الذي قالت عنه” أنه عظيم، و أنه مذهب أل بيت الرسول نبي الأمة”.
اتهامات سابقة لأمير موساوي
في جانفي 2016، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات لموسوي بـ”تشكيل لوبي شيعي” و”خلايا سرية لنشر التشيع” في الجزائر تحت غطاء التقارب الاقتصادي بين البلدين، وطالب كثيرون بطرده من البلاد، وتصدّر وسم #اطردوا_أمير_موسوي تويتر في الجزائر، ليخرج وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى نافيا صحة هذه الاتهامات، فقد أشار في 30 جانفي 2016 إلى براءة السفارة الإيرانية من هذه التهمة، دون أن يذكر بشكل مباشر اسم موسوي، لافتاً إلى أن وزارته أطلقت تحقيقاً حول الأمر ولا داعي للكشف عن تفاصيله أمام الناس.
وبعد الأزمة الدبلوماسية بين دولتي المغرب وإيران شهر ماي الماضي، وقطع الأولى علاقاتها الدبلوماسية مع الثانية على خلفية اتهام سفارتها في الجزائر بلعب دور حلقة وصل بين حزب لله وبين جبهة البوليساريو التي تعتبرها الرباط انفصالية، برز اسم موساوي في وسائل الإعلام التي تناولت القضية.
فقد اتهمت تقارير صحافية موساوي بأنه عضو في الحرس الثوري وضابط كبير في الاستخبارات الإيرانية، وربطته علاقات بالميليشيات والجماعات المتطرفة السنية والشيعية في الشرق الأوسط منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.
وجاء في بعضها أن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أصدر كتابا خطيا بتعيين موسوي مسؤولا عن ملف نشر الفكر الشيعي في دول المغرب العربي.
وتجددت الحملات لطرد أمير موساوي من الجزائر أكثر من مرة، بينها حملة ظهرت في ماي الماضي، استخدم المشاركون فيها تغريدة “الجزائر تطرد أمير موساوي”.
وكتب المستشار السابق في وزارة الشؤون الدينية عدة فلاحي، صديق موساوي السابق، في الرابع من ماي، على فيسبوك منشوراً دعا فيه الأخير إلى طلب إعفائه من مهامه “حفاظا على المصلحة العليا والعامة”، وذلك “لأن نشاطاته وتحركاته عبر التراب الوطني واتصالاته المكثفة والمتشعبة بفعاليات المجتمع المدني والتي ذهب إلى استعراضها وبشكل مفرط عبر الفضاء الأزرق أضحت تثير القلق وتطرح العديد من الأسئلة الحرجة والمحرجة حتى بالنسبة للمصالح الأمنية”.
ويعد امير موساوي البالغ من العمر 61 سنة، وجه معروف في العالم العربي إذ يشارك في برامج الفضائيات العربية بصفته “محلّلا سياسيا”، ويجيد اللغة العربية بطلاقة كونه ولد في مدينة النجف العراقية، وعاش فيها قبل ترحيل أسرته إلى إيران عام 1981، قبيل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، عندما طرد نظام صدام حسين ذوي الأصول الإيرانية من العراق.
واعتبر مراقبون أن “من المؤشرات الدالة على خطورة شبكة التشيع التي انتشرت في السنوات الأخيرة بالجزائر” مشاركة الشيعة الجزائريين باحتفالات كربلاء، مشيرين إلى أنه في نوفمبر 2017 أوقفت السلطات الأمنية في مطار هواري بومدين أكثر من 400 جزائري متشيع، وهم عائدين من كربلاء بعد حضورهم “أربعينية الحسين”، و”بحوزتهم كتب ومنشورات ورايات تُستعمل في التبشير الشيعي”.
مراحل انتشار التشيّع
يشير تقرير إلى أربعة مراحل لانتشار التشيع في الجزائر:
الأولى: بين عامي 1962 و1979، حين استقدمت الجزائر أساتذة من المشرق العربي للتدريس فيها و”حمل الأساتذة القادمون من العراق وسوريا ولبنان على وجه الخصوص، بذور التشيع”.
الثانية: بين عامي 1979 و2000، و”تميزت بصعود مدو لنموذج الثورة الإسلامية في إيران”، وقد “غلب على التشيع في الجزائر خلال هذه الفترة طابع التشيع السياسي”، بتأثير من نموذج إيران ونموذج مقاومة حزب الله لإسرائيل ودفعها إلى الخروج من لبنان عام 2000، ولاحقاً تحوّل بعض المتأثرين بالتشيع السياسي إلى “التشيع العقدي”.
الثالثة: بين عامي 2000 و2006 وأثّر فيها نموذج حزب الله اللبناني بشكل خاص، خاصةً مع تصديه لعدوان إسرائيل في يوليو 2006.
الرابعة، هي مرحلة ثورات الربيع العربي، وهي “مرحلة الصدمة و بداية الانحسار بعد التدخلات الإيرانية الدامية في اليمن و سوريا”.
يذكر أن الجزائر احتضنت أول دولة يؤسسها الشيعة في التاريخ، في بني عزيز في دائرة العلمة في ولاية سطيف، وتحدّث عنها المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون.
ومع قيام الدولة الفاطمية في منطقة شمال إفريقيا (910-973)، لعب الفاطميون دوراً في نشر التشيع الإسماعيلي.
وتفيد تقارير بأن هناك ما بين ثلاثة وخمسة آلاف شيعي في الجزائر، عام 2017، بينما تفيد تقارير أخرى صادرة عن مراكز شيعية بأن عددهم نحو 20 ألفاً، وقد تصل تقديرات بعضها إلى أن عددهم 80 ألفاً.
وحتى لو صحت التقديرات الشيعية لأعداد الشيعة في الجزائر، يبقى عددهم هامشياً في بلد يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة، معظمهم على المذهب المالكي، ما يعني أنهم أقلية صغيرة جدا لا يمكن تحميلها هواجس الخوف من إحداث فتنة.
إبتسام بلبل / الوكالات