قبل أن نتكلم عن لوحات هذه الفنانة نتطرق للفن الساذج او الفطري كما يسميه لبعض ليكون لنا مدخلا لفهم أسلوبها و طريقة رأيتها الجمالية للأشياء… فالفن الساذج غالباً ما يرمز للوحات فنية صادرة من رسامين يطلق عليهم ساذجون الذي هم معظمهم عصاميٌون، يبعث بنا هؤلاء إلى عالم الأطفال، أين

لا يعار أي إهتمام لقواعد المنظور.. الأبعاد أو كثافة الألوان. والحقيقة يمكن أن يكون فن الريف هو الفن الساذج الأول الحقيقي، لا سيما وأنه يعتمد على مخيلة مبتكرة لحرفيين مهرة، ولكن تطور المجتمعات بعد الثورة الصناعيّة، والإنتاج بالجملة، تسببا في ذبول تلك المخيلة، وفي تحول الأشكال الفنيّة إلى أشكال متكلفة لا حياة فيها…. من جانب آخر، لم يكن للفن الساذج أية مطامح أو أهداف ثوريّة، أو مناهضة للواقع، وإنما هو فن أعاد النظر في النماذج الملائمة لواقع الإنسان المعاصر، مع ملاحظة وجود شيء من الركاكة فيه، تأتي من اعتماده على الصدفة، والرسم المفرط الدقة، والألوان الحادة، والموضوعات السرديّة التي عالجها، وهي في الغالب هي ذات مغزى بسيط في ظاهره..

كل فنان ساذج موضوعاته التي يختارها بنفسه، نتيجة حبه لها، وإيمانه بما تمثله وترمز إليه من قيم، ورسمه لها كان بمثابة التعبير عن هذا الحب.

يلتقي الفن الساذج مع الفن الشعبي والفطري والبدائي، وحتى أنه يتقاطع في جوانب كثيرة مع فنون الأطفال، لناحية مبالغاته، وتحويراته، وتلقائيته، وعفويته، ويختلف عنها في الوقت نفسه، في أن غالبية من يمارسه هم من المتعلمين والمثقفين العاملين في مهن أخرى، بينما الفنون الشعبيّة هي فن الفلاحين والمجتمعات الزراعيّة الذي يعتبر من مرحلة التاريخ المعلوم الذي بدأ بعد انقضاء عصر التوحش، والفن الفطري قريب جداً من فن الشعب. أما الفن البدائي فله مدلول تاريخي ويربط بالحضارات الإنسانيّة الأولى، وقد سبق وجوده وجود الكتابة. أي جاء في مرحلة الأميّة الإنسانيّة…

نتحدث اليوم عن واحدة من الفنانين الفطريين الحاليين …الفنانة لودميلا تافيشيوك تهبنا جواز سفر غير مادي لنزور به روح الريف الأوكراني بكل أبعاده الجمالية ..الدينية و الإجتماعية.إنه جواز سفر بعطر روح أنثوية رقيقة تأخذنا برفق لترينا ساحات القرى الريفية البعيدة على الأعين ..فارس مغوار عائد من معارك مع القبائل التتارية بسهوب سبيريا..يعود متحولا الى حمل وديع داخل بيته بالقرب من زوجته الريفية العفيفة المسالمة الحريصة على راحة زوجها المتعب الذي انتظرته بشوق ومحبة….نشم عبق زهرة يتيمة بزاوية منسية تحت ظل شجرة مثمرة زرعها شاعر حزين هجر أوطانه…..قط وديع بلباس التزلج..ديك مزابل فخور بجمال ريشه كملك متوج… نعم الفنانة الفطرية لودميلا روح اوكرانية صادقة في تعبيرها و إبداعها..اهدتنا ما لا يمكن ان يهدى بغيروسيلة الفن …تجعلنا بلوحاتها و كأننا نفهم اللغة الأوكرانية…نشتم رائحة الخبز الناضج الذي صنعته من قمع الحقول الممتدة على طول البصر…حقول قمح بلون الذهب داعبت الريح سنابلها كما تداعب أم وليدها الرضيع…نتجول بين بيوت القرية لنلاقي أهل الريف الطيبين الكادحين الاكلين من جهد أيديهم…عالم لا عدائية فيه…كله سلام و محبة تنسجم فيه عناصر الطبيعة بالكائنات الحيوانية و الإنسانية فتذوب الفوارق.

بقلم : التشكيلي مصطفى بوسنة