“أخناتـــــــــون” .. روايــــة مختلفـــة لأجاثـــا كريســـــتي
لم تدهشني أجاثا كريستي بصفتها أعظم مؤلفة روايات جرائم رعب في التاريخ، إذ بيع أكثر من مليار نسخة من رواياتها التي ترجمت لأكثر من 1033 لغة، بقدر ما أدهشتني روايتها “أخناتون”، المختلفة عن نهجها الغائص في جرائم الرعب، فهي هنا تصور عاَلم ملك فرعوني، إنسان، يقضي وقته في تأمل الجمال، وكتابة شعر الغزل في الطبيعة وفي محبوبته زوجته الوحيدة نفرتيتي، وهو يرفض العنف، ولا يريد بغضاء بين الناس، ولا عداوات بين الشعوب، ولا يريد شن الحرب مع أية جهة كانت. ولهذا تجد عالمه جمالياً مليئاً بالمحبة والرحمة والمساواة الإنسانية التي يحلم بها في جنة على الأرض.
ولا نعرف لماذا احتفظت أجاثا كريستي في أدراجها بهذه الرواية التي كتبتها عام 1937، مدة أربعين سنة، ولم تنشرها إلا عام 1973.
أدهشتني لأنها تناولت شخصية فرعونية عربية نوعية، أقول عربية رغم ادعاء البعض أن الفراعنة ليسوا عرباً، ذلك لأن أخناتون مصر كان يمتد حكمه آنذاك بين النهرين.. من الفرات إلى النيل. كتبتها أجاثا بعد دراسة معمقة في الموقع وليست بين كتب المكتبات فقط، وذلك حين أقامت مدة عامين في الأقصر، في صعيد مصر هي وزوجها، الأثري البريطاني الذي كان يمارس عمله يومها بين آثار طيبة.
وأية شخصية رسمتها لأخناتون، ذلك الذي كان أول موحد في التاريخ، مؤمن بإله واحد في السماء، يمثل نور الشمس، بدل آلهة آمون ذات الأصنام المتعددة على الأرض، التي جعلت رجال الدين يأكلون قوت الشعب المصري، ويكبلون حياته بخرافاتهم التي أكلت الأخضر واليابس.
من رواية أجاثا كريستي هذه، فهمت أن “أخناتون” جاء بدين جديد ليعبد أباه (آتون) إله قوة طاقة الشمس.. ليسير على نهج تنبؤي جديد، أسوة بإخوته الكنعانيين الذين امتدت حضارتهم من بابل حتى ما وراء بحر الظلمات، الذين كانوا يعبدون الإله الواحد الأحد (ال)، وهذا ما جاء به الإسلام لاحقاً بقوله: “الله نور السموات والأرض..” وعند أخناتون؛ الله هو الطاقة الكامنة في نور الشمس.. أو (آتون) هو نور الشمس..الطاقة الكامنة في الشمس.. نور السموات والأرض. وهكذا نقل الدين مع إخوانه الكنعانيين من عبادة الأصنام، إلى عبادة قوة الكون، قوة الله، نور الشمس.. نور السموات والأرض.
وكما قلت؛ في عهد أخناتون – حسب رواية أجاثا كريستي – كانت مصر تحكم بلاد ما بين النهرين، من الفرات وحتى النيل.. هبة الله لمصر. وكانت سوريا الكنعانية، وليست الهكسوسية، كما يُزوِّرها بعض المستشرقين، خاضعة لحكم مصر.. لحكم أخناتون. وكان أخناتون لا يحب الحرب، بل يريد للشعب أن يعيش بدون قوة الجيش ورجال الأمن، ولا بهيمنة رجال الدين، الذين يكنزون أموال الشعب في دور عبادتهم.
كان يريد لشعبه التفرغ؛ ليس للحرب، وإنما لممارسة الحب وإبداع الفن.. كان يريد للناس أن يتأملوا جمال الطبيعة.. جمال الفن.. جمال الشعر. كان يقضي وقته بكتابة الشعر.. بمراقبة جمال تفتح الأزهار والخضرة على ضفاف النيل. جمال العمارة.. ولذلك أنشأ مدينته “تل العمارنة” لتكون عاصمة الفنون والجمال.. بدل “طيبة” عاصمة الحروب ورجال الدين الذين أكلوا الأخضر واليابس وهيمنوا على عقول الشعب بخرافاتهم وأساطيرهم السلفية. وذلك بقوله صفحة 35:
“ليست الشمس ما يجب أن تعبد، بل الحرارة التي في الشمس.. النور الذي في الشمس.. إنه تلك النار المقدسة.. لن يكون بعد اليوم سجود لأوثان آمون، المصنوعة من الحجارة.. ولن يكون هناك بعد الآن استغلال للضعفاء، ولا صكوك غفران، ولا تمائم أو تعاويذ، أو جعارين، يبيعها الكهنة، ليبتزوا أموال الفقراء.. سيحل محل هذا كله؛ الحرية والمحبة .. محبة آتون..”.