تونس تستفيد سياحيا والجزائريون يحققون متعة التفرج

   يبث مسلسل مشاعر في قناة النهار الجزائرية وقرطاج التونسية وغيرهما ، وهو انتاج تونسي ، بمشاركة فنية تمثيلية جزائرية إلى جانب التونسيين وبإدارة فنية تركية، والمخرج هو الألماني التركي محمد الجوك، فما هي ملامح هذا العمل الدرامي؟

الدراما والتسويق السياحي

   تبدأ القصة من هروب البطلة من المنزل رافضة الزواج من شخص لا تحبه، وتنتقل في مكان صحراوي جزائري لتصل تونس، وهناك تلتقي في حادث سير برجل يساعدها ويدخلها منزله العائلي، ويلحقها الزوج المرفوض لتونس، ويبحث عنها، في خط درامي يشبه المسلسلات التركية…

  إن العمل درامي رومانسي بامتياز، يقدم الكثير من المشاهد النفسية المعقدة، بحضور للتقنية السردية الدرامية التركية تحديدا، وهي التي تعتمد على تقنيات الصمت الدرامي في حضور الموسيقى الهادئة المواكبة للمشاهدـ و التي قد تستمر لدقائق، قصد ربط المتلقي بلحظات تشويق ، يمكن أن نسميه بلاغة الصمت الكلامي ، أي الكلام لكن بالصمت، لتكون الرسالة الفنية والعاطفية أكبر تأثيرا.

    يشارك من الجانب التونسي جملة من الفنانين المحترمين مثل ريم بن شعبان، هشم رستم، سامية رحيم… ومن الجزائر يحضر  الفنانون والممثلون حسان كشاش، سارة لعلامة، نبيل عسلي، عادل شيخ…

       تنطلق الأحداث من مدينة صحراوية في  الجزائر، لتتطور  وتتعقد أحداث القصة في تونس، فتكون فرصة شركة الإنتاج لتقديم التسويق السياحي والثقافي التونسي ونقل المشاهد التي تخدم السياحة التونسية، عربيا وعالميا.

       ويكون الجزائريون قد اكتفوا بتسجيل نسب عالية للمشاهدة فقط، بعد أن جذبهم المنتج من خلال إشراك فنانين جزائريين، ونم ثمة للفنان فرصة التألق المغاربي والعربي والبروز لتسويق قدراته التمثيلية، في سياق لا يجد فيه المبدع في الأعمال الجزائرية الرمضانية لا السيناريو الاحترافي ولا القصص الدرامية والصناعة السينمائية ولا…؟؟؟

ولم يجد المشاهد الجزائري نفسه في المسلسل، كما لم يجد ملامحه الاجتماعية، بل لم يجد صورا للتعابير السياحية والثقافية؟؟ ماعدا في حلقة أو حلقتين مع بداية المسلسل، وذلك منتظر  لأنه لا يمكن أن نطلب من غيرنا أن يعرّفوا بتاريخنا وثرائنا الثقفي وجمال الأمكنة الجزائرية في قالمة أو قسنطينة او تلمسان او سكيكدة …؟؟؟وكما يقول المثل “ما حكّ جلدك مثل ظفرك”.

     فأين المنتجون الجزائريون من التسويق للسياحة، وأين هم من الاقتراب من مخرجين وكتاب سيناريو محترفين ويقدرون قيمة إنتاجهم، بعيدا عن التهريج والسخافة والبهلوانية و الصراخ..؟؟؟

عن اللهجة في العمل

  وبالعودة للجوانب الفنية في المسلسل فقد لاحظنا التطور النوعي والجودة العالية للحلقات، بفضل الخبرات التركية  وبفضل الإمكانات التقنية الكبيرة، أما بالنسبة لأداء الممثلين فقد انتبهنا لطبيعة أسلوب الكلام عند الجزائريين في بعض الحلقات، ووجدنا سرعة الكلام وغموض المعنى، بخاصة عند نبيل عسلي، وهنا قد لا يفهم المقصود المتلقي الجزائري فما بالك بالعربي؟؟

  وقد لاحظ المخرج و السيناريست الطيب التهامي وجود الفوارق في إدارة الممثلين، ولم يجد الانسجام والالتحام المطلوب بين الممثلين الجزائريين و التونسيين، وحسبه السبب لا يعود للهجة ولكن للأداء، و وجد أن التوانسة تألقوا وأبهروا، وتقمصوا أدوارهم،ولم يقنعه أداء الفنان حسان كشاش، كما لم يوفق نبيل عسلي وسارة لعلامة في التقمص الجيد لدورهما(انظر مقاله عن المسلسل في جريدة الحوار، عدد19 ماي 2019)

     أما نحن فنرى  تجلي الاختلاف اللهجي بين الممثلين، وكان يمكن تجنبه لو كان هناك مساعد  من علماء اللهجات واللسانيات (من الجزائر أو تونس) للمخرج التركي، قصد تقديم المساعدة الأنثروبولوجيا التي تقترح خطابا شاملا جامعا  لا يلفت الانتباه للاختلافات اللهجية الصغيرة .

خصوصيات درامية

    إن مسلسل مشاعر عمل احترامي متميز في تاريخ الدراما المغاربية،وقد استطاعت شركة الانتاج أن تفتح باب جماليا كبيرا لأجيال قادمة، ستستفيد من الايجابيات و السلبيات، وتكون إدرة قناة النهار الجزائرية قد أحسنت الاختيار والاستثمار التجاري و الفني، وهنا تتفاعل كل عناصر الصناعة الفنية الراقية لتنجز تسويقا للتاريخ والتراث والثقافة والغنى السياحي في تونس على أمل استفادة دول مغاربية أخرى من التجربة.

     ومن النقائص المسجلة في بعض تفاصيل القصة نذكر عدم اتجاه عائلة الفتاة الهاربة لتونس للبحث عنها والاكتفاء بترك المهمة عند الزوج المرفوض، وكذلك عدم تبليغ الشرطة رغم أن القضية متعلقة بالخروج من حدود الوطن نحو دولة أخرى؟؟ كما أن أبناء الطاهر يختلفون عنه في ملامحهم الفيزيزولوجة ، فهم بملمح شقراء عكسه وعكس أمهم؟؟.

   وكذلك وجدنا في إحدى الحلقات زوجة البطل الطاهر، التي أصيبت بالمرض الخبيث، ترسل رسالة تطلب الطلاق ، لكن لم نجد بحثا عن عنوانها أو الشخص الذي سلم الرسالة للخادمة عند مدخل المنزل….

   ولاحظنا أن لحظات حضور الموسيقى المواكبة لحدث معين، طغت على بعض الحلقات، وكأن الهدف هو إطالة الحلقة وتحقيق غايات تجارية على حساب عمق القصة وحيوية سردها، وهو ما قد يزعج المشاهد، ويدفعه للتوقف عن المشاهدة، في لحظة يشعر فيها بالخداع و الاستخفاف،

  و لسنا ندري هل تكون الحلقات القادمة بجودة تصويرية وبترابط سردي و درامي، لأن المهة ليست سهلة، والوصول للأداء  التمثيلي التركي وعوالمه ومميزاته عملية تحتاج لنفس كبير، ونأمل أن  لا نقع في الخيبة الفنية و الحكائية، لان الجمهور ينتظر الكثير من ابطاله، وقد تجلت العلاقة التفاعلية و الحميمية بين المشاهد والممثلين مع مرور الوقت وتتابع الحلقات.

   تحياتي لطل طاقم المسلسل ، وبالتوفيق في أعمال أخرى، ليستر الحوار المغاربي في جميع الميادين، لشمل كل أبناء المنطقة المغاربية  الأمازيغية العربية المسلمة، قصد مواجهة التحديات الثقافية و الاقتاصدية و الاجتماعية في ظل العولمة و الصراع بين الدول والحضارات ؟

بقلم /د.وليد بوعيلة

أستاذ الدراسات الثقافية