” كان مشروعك، صديقي الكبير، انتصارًا لحقِّ الأرض في الإفصاح عن ضوء مُختلف لا يعلوه شحوبُ وجهِ الإنسان ولا يكشفُ عن غبطة الآلهة السكرى أمام مومياء الحياة مثل نيرون. ولكن تجبُ الإشارة إلى أنك – في كل ما كتبت – كنت ثائرا على المُؤسَّسة الثقافية – الدينية لا على الروحانية أو ذلك الظمأ الأبدي الذي يقودُ الإنسان أبديا إلى القرع على باب السِّر. كنت ثائرًا على زبانية جحيمنا وهم يُحوِّلون الإنسان العربيَّ إلى عبدٍ تتربصُ به دائما اللعنة الأبدية إن تجرَّأ على مدِّ اليد إلى شجرة المعرفة ا٣لمُحرِّرة. لقد كتبتَ صفحاتٍ مُدهشة عن إيكاروس المُسلم وهو يتوسلُ المسالك الوعرة إلى الشمس قبل أن يسقط مُحترقَ الجناحين شاهدًا على لانهائية الرحلة إلى ينابيع المعنى.
إنَّ مشكلة عالمنا العربيِّ – الإسلامي تكمنُ في مأسسة الواحدية ثقافيا وسياسيا بعيدًا عن فتوح ات العقل المُعاصر الذي خاض معاركه الظافرة ضدَّ كل نزوع شمولي يتمترسُ وراء اللوغوس الديني والفلسفي من أجل تبرير الهيمنة وحجب مداخل المعنى المُتعدِّد. من هنا ثورتك ضدَّ التمذهب المُغلق والمذهبيات جميعها باعتبارها مُعتقلاتٍ وسجونا وتشرنقا أمام العالم والتاريخ، فضلا عن كونها ينبوعا ثرا لمُختلف أشكال النبذ والاستبعاد والمحو المُمارس على المُختلف. ومثلما رأى نيتشه في المسيحية التاريخية “ميتافيزيقا الجلاد” كما يُعبِّر، رأيت صديقي أنَّ “كل مذهبية حبلى بالجلادين” في تأكيدٍ مهم على كون الثقافة السَّائدة لا يُمكنها أن تحبل إلا بالكارثة على مُستوى العلاقة مع الآخر المُختلِف ما دامت تعتبرُ المعنى جارية مسجونة في سراي السيِّد أو الثقافة المهيمنة. كل رؤية مُنتهية للعالم هي رؤية عُنفيَّة بالأساس تستبعدُ المُختلف من دائرة الخلاص الديني والدنيوي معا؛ كما أنها تضمرُ القول بأنَّ الإبداعَ وقيمَ الكشف تبدو نافلة ما دامت ترى المُستقبل ماضيا يتحققُ أو نبوءة حبلت بها الكلمة الأولى. هذا ما يُفسِّرُ، صديقي، ثورتك منذ بدايات نشاطك الإبداعي والفكري على البنيات المرجعية للفكر، وتشكيكك في قدرة الإيديولوجيات – حتى وإن كانت ثورية – على تحرير الإنسان وعِتق المُستقبل من نبوءات من ظلوا يحملون سوطا في تعاليمهم “التقدمية”. ظلت الكلمة الأولى جرثومة تغذي نزعة الاستبداد الفكري والانغلاق المذهبي والتمترس وراء حصون الهوية بمعزل عن جلبة التاريخ الفعلي وإيقاعه الأهوج. هذا ما جعلني أرى فيك مفككا حدس – منذ زمن بعيدٍ – بانهياراتنا المقبلة في أوج الصخب الإيديولوجي الذي رافق نضالنا طيلة خمسين عاما.
لا يُمكنُ، بالتالي، أن يكونَ التحريرُ من أوضاع مُماثلةٍ أمرًا واقعا إلا بنوع من “الخرق الثقافي” كما تُعبِّر. لا يُمكنُ أن يتمَّ خروجُنا من أسر الواحدية إلا بالخلخلة الثقافية والنقد الشامل لنظامنا الثقافيِّ القائم على استبداد المرجعية والتعالي الأنطولوجي للحقيقة المُحنطة في حضن المُطلق. إنَّ زمنَ الأرض لن يحينَ عهدُه إلا باحتضان التاريخ والتغير والانفتاح على التعدد؛ ولن يكونَ مُمكنا إلا بالخروج من شرنقة اللوغوس الديني والثقافي. وما زمنُ الأرض إلا زمن الإنسان وقد مدَّ جسورًا إلى العالم الآتي من حضن المجهول. بداية، تساءلت صديقي ضمنيا في كل ما كتبت: “كيف لثقافةٍ لم يتأسَّس فيها المجهولُ باعتباره بُعدًا من أبعاد الوجود أن تكونَ حاضنة للإبداع أو دعوة إلى السَّفر في بكارة العالم؟ كيف لثقافةٍ مُماثلةٍ أن تحترمَ التعدد والاختلاف وأن تحلمَ بمجيء ملكوت الإنسان على الأرض؟”.
وسمعتك – أيها الثائر على استبداد المرجعيات المغلقة وأنظمة الواحد والواحدية – تقول: “ما جئتُ لأبارك العالم. سأسرقُ مفاتيح طروادة الحصينة من تحت وسادة الآلهة وأسلمُها لجموع الغاضبين الذين يتأهبون لاقتحامها كخيوط الفجر”.
صديقي الكبير،
أعودُ إلى الحديث عنك شاعرًا ظل مسكونا بحق القصيدة في استرجاع وظائفها الكشفية والجمالية العالية في كنف ثقافةٍ عرفت، تاريخيا، كيف تُدجِّنُ القول وكيف تحول الشاعرَ إلى مُنشدٍ بائس. لقد ناهضتَ ثقافة زحزحت الشعرَ عن مركز الرؤيا والإبداع والخلق لتجعل منه جرما صغيرًا يدورُ في فلك المذهبيات الجاهزة منذ ترسُّخ الرؤية الإسلامية في طبعتها الرسميَّة التي احتكرت الحديث باسم الحقيقة النهائية للعالم والأشياء. بحثتَ عن سلالتك التي ورثت عنها التمرّدَ والخروج عن نظام الطاعة إيمانا منك بكون الشعر بداية دائمة وسؤالا معرفيا وجماليا يخترقُ الأزمنة والتاريخ ليخلقَ زمنه العموديَّ الخاص بعيدًا عن الجاهز الإيديولوجي. لقد هالك أن يجفَّ الماءُ في عود القصيدة باسم العقائديات المُغلقة أو باسم الحداثة مفهومة على أنها الموقفُ السياسي الطليعيّ الذي يلوي عنقَ اللغة ويحولها إلى زعيق وزبدٍ يرافقُ الحدث. لقد فهمتك جيِّدًا، صديقي، وأنت تريدُ إنقاذ الشعر من أن يطفو على سطح الأحداث والعالم كجثة منتفخة ولكن بلا روح. الإبداعُ حدثٌ بحدِّ ذاته. هكذا تكلمت.
لم تفتنك الحداثة في شكلها المشهديِّ الاستهلاكي الذي تفنن العربُ في جعله قناعا يوهمُ الذاتَ الخائبة بولوجها العصرَ الحديث والإسهام في نقاشاته أو الدخول في هارمونيا إيقاعه الظافر الصاخب. لم يفتنك العابرُ مهما بدا مُجلجلا. لقد أدركت، باكرًا، استقلال الشعر والفن عن ركوب الموجة التي جعلت بعض مُعاصريك ينذرون كتاباتهم لقضايا قصمت ظهورنا ولم تظفر بترياق الخلود في ذاكرة الفن الذي يبقى شاهدًا على أثر أقدام الإنسان في الغبار الكوني. أعتقدُ، صديقي، أنك كنت ضمن القلة التي فهمت، جيِّدًا، أنَّ الفن الكبير ليس إلا محاولة مُضنية في عقد مُصالحةٍ – تبدو شبه مُستحيلة – بين التاريخ والأبدية. وكنت، في هذا، وفيا لبعض الآثار الكبيرة التي استرقت السمع إلى ما “ترسَّبُ في جرة الأزمنة” كما تعبِّرُ بصورة آسرة: ملحمة جلجامش. هوميروس. المتنبي. المعري. بودلير. سان جون بيرس. لقد كنت مُحاورًا كبيرًا للأصوات ا
بقلم بوعلام دلباني