من عنابة إلى باريس هكذا كانت رحلة الفنان التشكيلي منير قوري الذي فاز منذ يومين بالجائزة الكبرى لمعهد العالم العربي بفرنسا بين 100 مترشح ، اقتلعت لوحته “المناصرين الحراقة” ، البلدان المشاركة بمشاريع تجسد علاقة الشبان بكرة القدم ، غير أن قوري وهو شاب من عنابة تمكن من قلب مزاج الفكرة لينتصر مشروعه ، تماما كما ينتصر الموج على قوارب الموت فيغرقها في أعماقه، “الصريح” وفي اتصال من عاصمة الجن والملائكة تمكنت من محاورة الفائز ليفتح قلبه من خلال هذا الحوار  .

– حدثنا عن الجائزة التي فزت بها وكيف كان شعورك وأنت تتسلمها ؟

الجائزة هي الأولى على مستوى العالم من حيث اندراجها ضمن المشاريع العربية في باريس ، تم تتويجي بها عن مشروعي المتعلق بعلاقة مناصري كرة القدم بهذا الفن الرياضي، سلمتني إياها السيدة السفيرة ليلى شهيد رئيس المشروع والسيد جاك لونج وهو وزير سابق للثقافة في فرنسا ورئيس معهد العالم العربي ، أثناء تسلمي الجائزة تذكرت أبناء مدينتي عنابة المناصرين المقهورين الذين ركبوا قوارب الموت وابتلعهم الحوت أو ضاعوا في جزر الأحلام.

– كيف افتكيتها من بين 100 مرشح من العالم ؟

– إن ما حملته اللوحة وهي بحجم كبير حسب المشروع المطلوب من رسائل واضحة حول علاقة الشباب بكرة القدم هو ما رشحها للفوز ، خاصة تداعيات هذه العلاقة من حيث كونها تعبيرا على الفرح في الملاعب من خلال اشعال الالعاب النارية وهي نفس الطريقة التي يستعملها الحراقة في حال تعرضهم للخطر في عرض البحر إذن التعبير بالنار يحمل معنيين الفرح والحزن وهو تناقض من حيث الحالتين وتناسق من حيث التعبير عن الشعور فالنار هي ترجمة لإحتراق شيئ ما، شيئ كالمشاعر حزينة كانت أو سعيدة.

– مالذي تحمله اللوحة من حيث الشكل وإلى ماذا ترمز من حيث المعنى ؟

– من حيث الشكل اللوحة تجسد مشروعا فنيا ، يرمز في الحقيقة لعلاقة الشباب بكرة القدم ، لكنها تذهب إلى أبعد من ذلك من حيث المضمون، حيث ترمز إلى وضعية المناصرين وهم نفسهم “الحراقة” أي الذين يحرقون الألعاب ليشعلوا الملاعب في صورة ترجيدية تعبر عن الألم كما تعبر عن الفرح، من جهة أخرى اللوحة تعرض تفاصيل عن حياتهم كمناصرين ومعروف في الجزائر أن المناصرينه يرددون أغاني بعد أن يؤلفونها تلقائيا لتصبح نشيدهم اليومي في كل مباراة .

– هل تعتقد أن مشروعك عبر بشكل كاف عن هموم هؤلاء المناصرين وأوصل صوتهم؟

– من الجيد أن اللوحة عبرت بشكل كاف خاصة أن الرسالة كانت قوية ومباشرة ، حيث اطلع وفد المسابقة بما فيهم بعض الضيوف من الشخصيات  المهمة والمهتمين على حياة المناصرين وتغلغلوا من خلال الشروحات التي قدمتها بصفتي من ترجمها من خلال المشروع نفسه إلى أدق التفاصيل على غرار حياة اللاعبين وانشغالاتهم بقضايا النوادي والوسط الرياضي في عنابة وهي المتن الذي اشتغلت عليه ومن ثمة نقلت أيضا هموم الحراقة الذين يحرقون الألعاب في الملاعب تعبيرا عن الفرح والحراقة الذين يشعلون الألعاب في عرض البحر، أنا سعيد لأنني خصصت هذا المشروع لهم وسعيد لأنني أوصلت صوتهم المنسي والضائع إلى شباب آخرين يعيشون حياة مختلفة في فرنسا وأوروبا.

– كيف استقبل المناصرين فوزك بهذه الجائزة ؟

– في البداية الفوز مهدى لهم باعتبارهم الطبقة التي اشتغلت عليها، وهو ما أسعدهم ولقد استقبلت عدة اتصالات تعبر عن فرحتهم بالاهتمام بهم والتعبير عنهم ، لأنني أومن بهم وبطاقاتهم الخارقة سعيت من خلال هذا المشروع لإيصال صوتهم من عنابة إلى باريس وإلى العالم .

– أنت حاليا تقيم في باريس ماهي نظرة الفنانين الأوروبيين للفن الجزائري خاصة الفنون المعاصرة ؟

– الجزائريون يتميزون بطاقة فنية زائدة على غرار التشكيلي العالمي عادل عبد الصمد فهم خارقون بالمقارنة مع فنانين من دول أخرى ، أظن أن هذا تقدير هام في حد ذاته، وله قيمة وخلفية خارج الجزائر نظرا لتعدد الثقافات والهوايات  المستمدة من تاريخ الجزائر وطبيعة الحياة وسط أجواء متنوعة ، ومن المهم تغيير طبيعة الأجواء لأنها تشكل متنفس آمن وهادئ للفنانين، خاصة من يعيشون تهميشا في أوطانهم وكبتا يمنعهم من التعاطي مع ذواتهم الفنية.

– منير قوري أنت كفنان في المهجر، ماهي نظرتك للحراك الشعبي في الجزائر ؟

– أولا أحسست بفرحة كبيرة رغم أن المنعرج سياسيا خطير إلا أنه تعبير شامل على صحوة فكرية ، وخوف على مستقبل الأجيال القادمة ، ما أثار انتباهي هو طرق التعبير الفنية في قوالب تهكمية منها من يترجم غضبه بطريقة مضحكة ومنهم من كتب أشعار ومنهم من عرض مسرحيات ومنهم من قدم عروض موسيقية راقصة ولاحظت أيضا الشعارات التحررية المرفوعة حيث تنم عن قدرة رهيبة في الوعي بالراهن السياسي والاقتصادي والاجتماعي بمشاركة واسعة لكل الأعمار وهذا شيئ جميل لأنه يترجم أيضا استعداد الجزائريين  للإبداع في مختلف الظروف ،خاصة أننا في مرحلة مهمة والعالم بأسره مندهش لطريقة الجزائريين المسالمة في التعبير ، لقد سمعت بأذني بعض الأوربيين وهم يتابعون النشرات الإخبارية وهم يقولون ” ياله من شعب عظيم” ، أصارحك أنني أحسست بالحزن وأيضا بالفخر .

– ماذا تنتظر من الحراك الشعبي؟

الكثير، الكثير علما أن النتيجة لا تتأتى بسرعة بل بمواصلة الإصرار على إسقاط رموز الفساد أولا وبالعمل والمتابعة والمراقبة خاصة ، وحتى يتحسن الوضع العام لابد أن تشرب العقول من حب الحرية الكثير من ماء المحبة والتضامن والتضامن والإيجابية لأن ماتعيشه الجزائر خلال الأشهر الأخيرة يعد صحوة إلهية ، عبرت بالأساس على قدرة الجزائريين على معرفة ذواتهم ومعرفة ما يخفى عنهم داخل دواليب السلطة .

– ماهي مشاريعك المستقبلية وهل هناك أعمال تشتغل عليها هذه الأيام ؟

– أحضر معرضا فنيا ليتم عرضه شهر جوان القادم في لندن ومعرض آخر سيقدم قريبا في ألمانيا حيث سأشارك ضمن معرض عالمي يضم أسماء كبيرة أقدم من خلاله نماذج عن أعمالي في الفن التشكيلي المعاصر ، منها لوحات مستوحاة من الأحياء الشعبية في عنابة ، التي لازلت أعيش على متنها وانا بصدد ترجمتها إلى أعمال كبيرة.

– كلمة أخيرة نختم بها هذا الحوار الشيق فناننا منير قوري؟

– أود أن أقدم شكري الكبير لـ”الصريح” على هذا الحوار بمناسبة فوزي بجائزة هامة ، وتمثيلي للجزائر ، وأشكر قسمها الثقافي على هذه المبادرة، وطاقمها الشاب على المثابرة ورفع مستوى الإعلام في عنابة، وكلمتي الأخيرة هي نصيحة لكل من يطمح في تحقيق حلمه ، الحلم ليس بعيد مع تمنياتي بظهور وجوه ومسؤولين جدد على قطاع الثقافة في عنابة يشجعون الشباب ويمنحونهم حقهم في التعبير .

أجرت الحوار : سلوى لميس مسعي