كان حسين يبحث عن الحقيقة ولم يكن يبحث عن الحرية ، كان هاجسه الإنسان وليست الأشياء ، كان حسين يملك الفكرة ، ويملك التعبير عنها واستعمل اللغة لإتقانها أولا ولبقائها لامعة في طبيعتها وضوئها .

ابتعد عن الكتابة العادية ليحدث التوازن في كونه ، وذهب إلى اكتشاف العادي ،كان الشاعر يعرف أن الحقيقة تكمن في هذه البساطة وفي تفاصيلها التي تبدو مملة ، لم يرغب في اضافة شيئ بقدر ما أراد أن يحاور فكرته.

الفكرة ..مهمازه المفضل ، كان يعرف أن الإثارة الحقيقية لا يمكن أن ترى خارج الضوء أو في إطار العتمة ، لم يكن أنانيا فيحتفظ بهذا الكنز لنفسه ترك الكنز مفتوحا ، ليذهب للجميع و ترك العنوان كمفتاح لباب الدخول إما أن تراوغ نفسك الأمارة بالتراجع والشك وإما أن تغامر للإمساك بأشعة الشمس فقال النبي ” مخاوف” تعبيرا عن وحل في عتبة الولوج ، وعثرة في أرض الحصى الكثيف.

ثم أشار في ” كهكذا ضوء ” إلى كنه الحقيقة ، مسالما بروح الطبيعة مقدسا لمرآتها الوحيدة مكتف برائحة النقاء في شباك عينه.

كان الخلق الذي شاهده بعين روحه جميلا جعل منه كائنا متهكما عندما صعد الرماد إلى سماءه ، واطلق ابتسامته الهادئة الجميلة ، لأنه على دراية كافية بأن إهداء المعرفة لا ينوبه سوى السرور في كل الحالات  خاصة في حالة الشعور بالفضول.

كانت القصيدة هي التي تتحدث معه فتقول له من على البياض :

– أخبرني بما تعرف أخبرني؟

وأجاب : لا يمكنك معرفة الفكرة ما لم يقلها لك أحد.

وهكذا تصالح الفتى العاقل مع البياض بهذه الجملة : ما نحن سوى عائلة واحدة نقضي وقتا ممتعا معا ثم يغادر كلانا إلى خلوته.

بعد أربعين عاما غادر حسين الفكرة وولج بعدها إلى عوالم أخرى وظلت هي حبيسة الورق ، رفيقة البياض في عتمة الكون ، لقد اختارته السماء ليحلق أكثر في الأضواء.

لا يعرف حسين سوى القليل عن الأشياء لأنها لا تعنيه ، كان ثباته في العمق وزرا على وزر ، مدافعا في أسئلته عن الحجة نافيا الثرثرة إلى اللاشعرية. مجيبا على حدود الهوامش :

– الإنسان..الإنسان هو المركز.

عندما توقف لسنوات عن الكتابة فلأنه كان يكتب على جسده سلم القصائد التي لا تموت متداركا هفوة الفراغ ، وتعمق الألم ،ولم يكن الألم نفسه من يثير قلق الكاتب إنما محنة الوجود نفسها داخل بؤرة الألم وتمركز كتلة البؤر بلا تردد ولسنوات طويلة أنهكته حد الإكتئاب وأسرته حد الفناء.

هل اختار الكاتب الرحيل ، هل غادر لأنه لا يعرف مقولة محمود درويش ” على هذه الأرض ما يستحق الحياة”

إن محمود فلسطين هو نفسه محمود الجزائر كلاهما قضية وجود وكلاهما الوجود نفسه ،إذن هل مات الإنسان  برحيل هذا الشاعر وهل تموت الإنسانية بمجرد غياب القضية  .

عاش الشاعر حسين زبرطعي طوال سنوات عمره القصير في مدينة عنابة، عاش خارجها وداخل الكون ، عاش فيها وداخل إنسانيته ، لم يسافر يوما إلى بلدان أخرى ، كان همه “الأنا ” أو ” الذات الأخرى” تلك الأخرى التي يرى فيها نفسه هو نفسه بنفس العين ونفس الفكرة ، إن ككنت أنا الآخر فلماذا لا نتشابه .

لماذا ينحاز حسين إلى السؤال في حين لا يكلف الآخر نفسه على خوض تجربة الطرح ، إنها مشكلة محدودة شرعيتها في كونها لا تنتهي ، وهشاشتها في كون الكون يجب أن يتساوى مع الأضداد.

ثم داخ الفاعل في اللغة واخترع صفات أخرى ومفردات لأثواب أجسادها لأنه يعرف أن تلك هي الإرث الوحيد الباقي ” الصناعة” أو ما يسمى في لغة أخرى “الخلق” أسمي ذلك أسلوبا جديدا للمعرفة على حد التقارب الذي أوازيه لمصطلحات شاعرنا الراحل حسين زبرطعي .

مخرج:

ليست دائما الأسئلة هي اللغة الوحيدة لتلقي الإجابات إنها الإجابة المقنعة تماما كالحقيقة .

لقد بوركت بالحرية مرتين أيها الفتى عندما ولدت حيا بها وعندما رحلت هي معك.