إنّ محددات النّص السردي لا يمكن أن تتقارب بتجاور الأحداث و تعاقب الشخوص، بقدر ما تمليها جملة من المكونات الذاتية بدءا بالكتاب الذي يرسم خطاطة دلالية لسير العلاقات وتفجير كثير من مغامض الأشياء و تنوع التفاعلات التي تحدثها طبيعة المستويات الباطنية ومقاربتها بثنائيات ضدية و تماثلية و تشاكلية، من حيث العتبة أو النّص الموازي ٍ(LeParatexte) كما يسميها جيرار جينات في كتابيه (طروس) و(عتبات)، ( ودراسة (العتبات SEUILS) لجيرار جنيت GERARD GENETTE أهم دراسة علمية ممنهجة في مقاربة العتبات بصفة عامة والعنوان بصفة خاصة؛ لأنها تسترشد بعلم السرد والمقاربة النصية في شكل أسئلة ومسائل، وتفرض عنده نوعا من التحليل.

إذ تقتضي القراءة الوقوف عند حدود الكلمات الموازية و كل ما يمكن أن يكون شكلا ذا دلالة نصّية و الاختيارات الأخرى التي تتمشى بالعملية سواء مشفرة أو محلولة، حرفا كان أو لونا أو شكلا، في واقع السرد مستويات النّص تتعالق جماليا من حيث البحث عن متلق لا يكتفي بلغة النّص بقدر ما ينتظر منه صدمات تزعزع الكامن و المسكوت عنه و المحكوم عليه بالصمت ،فبعض النّصوص السردية تحاول أن تفتك من المتلقي تفاعله مع الأشياء باتجاه مغامض ذاتية مركبة و تبحث عن السيطرة الفكرية و النفسية على المتلقي بأي شكل تمنحها فرصة بث الرسالة بثا قويا، كثير منها لصيق بالواقع الإنساني و إن كانت روابطها توظيفا مختلفا للرموز و الأيقونات و عيّنات لا تخلو من خرافة أو أسطورة،إنّ علاقة العتبة أو الهامش بفضاء الكتابة علاقة إبداعية ارتكازية تعتمد التساير وفق استراتيجية خطابية تحقق أكبر قدر من التوزيع فخطاب الغلاف من أهم عناصر النص الموازي التي تساعدنا على تناول النّص الأدبي بصفة عامة والروائي بصفة خاصة من حيث مستوى الدلالة والبناء والتشكيل والمقصدية. ولذا فإنّ عتبة الغلاف عتبة ضرورية تساعد على التعمق في مستويات النّص و استكناه ما تضمنه من أفكار و الوقوف على أبعاده الفنية والإيديولوجية والجمالية.((وهو أول ما يواجه القارئ قبل عملية القراءة والتلذذ بالنص، لأن الغلاف هو الذي يحيط بالنص الروائي، ويغلفه، ويحميه، ويوضح بؤره الدلالية من خلال عنوان خارجي مركزي أو عبر عناوين فرعية تترجم لنا أطروحة الرواية أو مقصديتها أو تيمتها الدلالية العامة.وغالبا، ما نجد على الغلاف الخارجي اسم الروائي، وعنوان روايته، وجنس الإبداع، وحيثيات الطبع والنشر علاوة على اللوحات التشكيلية، وكلمات الناشر أو المبدع أو الناقد تزكي العمل وتثمنه إيجابا وتقديما وترويجا.) فخطاب العتبات للرواية المغاربية قد شهد اهتماما واسعا على يد نخبة من الروائيين المغاربة تنوعت استراتيجياتها و كثير منها اعتمد التصور النموذجي للمشروع السردي ضمن سلسلة من المنجزات التي لا تكتمل حدودها عند نص واحد و على سبيل المثال تشتغل روايات الدكتور واسيني الأعرج بمختلف عناوينها، خاصة تلك التي تتابعت في طََرق أخطر قضية عانى منها الإنسان الجزائري ، و ما تزال تشكل أكبر خطر عليه في ممارسة حياته ، و نموذج العتبات في رواياته يعتمد على الإنجاز التفكيري أكثر مما هو إنجاز رؤيوي، إذ (تنهض رواية واسيني الأعرج الأخيرة (شرفات بحر الشمال) فوق أرض غنائية مفعمة بالرثاء والنقد وفورانات الداخل. فمنذ الصفحة الأولى وحتى نقطة الختام الأخيرة لا تكف اللغة عن التدفق والاشتعال والترنح الوجداني. ولا يبذل القارئ تبعاً لذلك كبير جهد لكي يكتشف المساحة المتعاظمة التي تسرقها رواية الأعرج من الشعر وهي تتقدم إلى نهاياتها المأسوية وسط غابةٍ من الصور والاستعارات والرموز الكثيفة والدالة. قد تكون للوضع الجزائري المتفجر منذ عقد من الزمن علاقة وثيقة بسخونة الكتابة وتوتر الأسلوب واندفاعاته الحميميّة) تعد كعنوان أو مفتاح بالنسبة للنّص مرتكزا أساسيا في ولوج عالم الرواية بكل تفاصيلها و مستوياتها و المهيمنات التي تشغل في تفردها معان تختلف عن معاني تجاورها، العنوان عتبة رئيسة في تشكيل حقل أو عدة حقول معجمية ضمن شبكة من العلاقات المتقاطعة بداية و نهاية، سيكون تناولنا لمستوياتها بدءا بالغلاف و تحديدا الصورة و الأجزاء و الروابط التي اختارها الكاتب في رسم حدود نصّه كاستراتيجية ثنائية بين مظهر الرواية في مستواها الخارجي الفني و الجمالي و مستواها الداخلي كخطاب له رسالة موجهة للمتلقي و هذه القراءة تبحث أيضا ، في بنية كل عنوان جزئي من عناوين الرواية الجزئية و استمرارها المتنوع، وعلاقتها بغيرها من العناوين، التي يحصل بها في النهاية على البنية الكاملة الكلية التي تقوم عليها الرواية .

مجمل الرواية

تنمو الرواية ضمن وتيرة معقدة تنتهي إلى مرحلة مأساوية تعكس الوضع الجزائري المزري و الذي تفجر منذ عقد من الزمن انتهج فيه الكاتب أسلوب العرض السينمائي، إذ تبدأ الرحلة عندما تقلع الطائرة بالبطل ياسين و تتداخل سيرة المكان مع الإنسان مشبعة بالآهات و المحن و الآلام النفسية و الأحلام، الرواية تنتظم كسيرة ذاتية وهنا (ليست حيزا فيزيائيا أو جغرافيا محايدا ، بل إنّها سلسلة دوالّ تحيل إلى مدلولات عديدة) سيرة جماعية تحريص على السيطرة على الأمكنة و تسعى إلى مراودة مغاليق الأشياء, فبطل الروايةتمتزج لديه الأحلام مع الكوابيس وتتدفق الذكريات بشكل ملفت يجعل منه إنسانا متوترا يبحث عن أهداف متعددة و متشابكة مع العلاقات الفاعلة في حياته الماضية و تستمر معه في حاضره في منفاه، وتبرز شخصية فتنة و هي رمز ثنائي الحدود (كان اسمها فتنة)

(نهايات ديسمبر. منذ عشرين سنة بالضبط، كانت هنا على حافة ….)

وهذا هو المفتاح التعبيري الذي سيؤسس لما يزيد على ثلاثمئة صفحة كاملة من التذكر والتداعي والحنين إلى عالم مختلف و ملتبس عالم الكاتب الجديد.

ياسين الإنسان الذي يمتطي صهوة الأحلام و يشدّ الرحال طويلاً تتقاسم رحلته محطات متعالقة للسيطرة على الأمكنة و تمتدّ (لتشمل إنتاج ذاكرة ثقافية حولها تُخلّد حضور الإنسان) و لأنّه لم يعد قادراً العيش وسط عواصف و نسف للحياة و الحرية و السعادة و الأمان، ياسين الفنان أو النحات يفكر في رحلة إلى لوس أنجليس ليرسي قواعد جديدة لحياته مروراً بأمستردام و في هذه الأثناء تنقطع صلته بواقعه في الجزائر ليتوقع ما يمكن أن يكون مصدر سعادته ، تجذبه شرفات المدينة الجميلة و تشدّه المآسي التي تركها وراءه تتداعى لديه صور الأهل والأحبة والأصدقاء والموت تخطفهم من كل جهة، بأساليب وحشية مختلفة بين اغتيال و صدمة و فجيعة و و و… يموت غلام الله, عم ياسين, وابنته نوارة, وشقيقه عزيز وضياف …… و يموت والد نرجس, أو حنين, و يغتال رفيق دربه بوضياف, وميمون, شقيق فتنة, وزليخة, شقيقة ياسين. كلّ ذلك يعكس رحلة الموت و بشاعته في تصفيته للشخصيات النسائية أيضا التي أصبحت تعكس مأساة الجزائر الموزعة بين القبور والمنافي.

و تبقى فتنة فتنة إلى أن تنتهي الرواية نهايتها المأساوية يعبّر عنها ياسين بمنحوتته المتميزة المرأة المقطوعة الرأس. الوطن الجريح و المرأة المشرّدة و الأحلام المغتالة .

عتبة الصورة أو الإغراء اللّوني :

ما يلفت الانتباه اكتناز الصورة بمشاعر و أحاديث منسجمة و أدوات تحريك متقابلة، تنافس الكلمات على استنطاق الواقع من خلال الطبيعة و استحضار التاريخ و تفعيل الذاكرة على مختلف المستويات فـ غلاف هذه الرواية (يحمل رؤية لغوية ودلالة بصرية. ومن ثم، يتقاطع اللغوي المجازي مع البصري التشكيلي في تدبيج الغلاف وتشكيله وتبئيره وتشفيره)

رمزيّةُ الألوان و قيمتُها الجمالية :

يمكن وضع هذه الخطاطة :

تبدأ الرحلة اللونية من الداخل إلى الخارج

الأحمر = الأزرق = الأسود

الرّداء = البحر = دائرة

الفتاة = الخلفية = حدود العالم

فتنة و الأخريات = الغموض= المجهول

الفتاة و الرداء الأحمر : فتنة و ملابسات العتبة

هذه العتبة تعد مركز التفاصيل التي اختارها الكاتب لموضوع النّص لما تشكله من مستويات تتعرض لها في مراحل متنوعة، مزدوجة التشفير، و لنقل فضاءات متشابهة و متناقضة في البحث عن الحقيقة من جهة و الهروب من المجهول و الوقوع فيه من جهة أخرى، و كثير من الدلالات تحققها هذه العتبة قد لا يتعرض لها النّص مهما كانت تفاصيله و تعددت ملابساته، فهي المفضي الأول إليها، و من هنا يأتي دور الكاتب /المرسل الذي يعتمد القصدية للتأثير في المرسل إليه و منه يتلقى الرسالة في أبعادها التفصيلية كما أرادها المعنوِن من حيث تحقيق القصدية،الخلفية الزرقاء، إحالة رمزية لمنجز الذات ضمن الصراع المتشابك مع خلفيات الواقع و الرحلة في الزمن و اختراق فضاءات متداخلة، قد يكون البحر واحدا من هذه الفضاءات الملتبسة، و لأنّ ملابسات المكان المتشابهة لا تمنح فرصة التعايش ضمن حدود قد تبدو محفوفة بمخاطر، محاذير متعددة أيضا، و هذا اللون يحمل دلالة ضدية ، المتنفس الغارق في عالم ضبابي، في حين تلاشى صفاؤه و تعكرت مستوياته وأحدث إزاحة لاستقرار التدرج و الامتداد، يبدو تفاؤلا غير أنّ عمقه لا ينتهي و الحال بحر الشمال (وأنا أشمّ رائحة البحر المتسربة من بين شقوق الشوارع التي تلتقي لتضيق ثم فجأة تنفتح على البحر)

دائرة سوداء : المنفى و هاجس الموت

تحتضن الفتاة الغارقة في زرقة البحر و ردائها الأحمر ، ثنائية ضدية لونية تعتمد التجاور لرمزية الألوان و تقارب الأشياء و البحث عن منطق التوافق الممنوع بين المتجاورين و تعني تأزم الواقع و المعاناة النفسية الحادة في ظل غياب ألوان أخرى تسهم في التخفيف من حدتها خاصة اللون الأبيض الذي يكاد يختفي إلا من خطوط خفيفة تعالقت بشكل دقيق الاستئناس بها يشكل قلقا و توترا مستمرا في واجهة الصورة كما هو الحال في الأزمة التي مرت بها الجزائر كاد يغيب الاستقرار و تسيطر عليه ضبابية قاتمة قلصت من مدى الرؤية و تداخلت الطرق و تشابكت النهايات و تعددت المخاطر.

عتبة العنوان (شرفات بحر الشمال) المكان و الزرقة:

غلاف رواية (شرفات بحر الشمال):

أومتراجحة المنفى و الموت و الاستقرار

شرفات = بحر = الشمال

المستوى = اللون = المكان

بين الحرف و اللون تواصل رمزي يتعالق مع فضاء النّص في تشكيل مكوناته وتأتي أهمية العنوان و باقي العناوين أو العتبات الداخلية كموضوع هذه الدراسة ضمن قراءة سيميائية ، تسعى (إلى كسر هيمنة العنوان الحرفي الاشتمالي، ليؤسس بدلاً منه عنواناً تلميحياً، فالعنوان من أهم العناصر المكونة للمؤلف الأدبي، وهو سلطة النص وواجهته الإعلامية، وهو الجزء الدال منه. يساهم في تفسيره، وفك غموضه، لذا عُني المؤلف بعنونة نصوصه، لأنه مفتاح إجرائي به نفتتح مغالق النص سيميائياً)

– أعلى الصورة و باللون الأزرق تبدأ رحلة البحث عن فضاء مجهول، زرقة العنوان تعكس التواصل الطبيعي بين امتدادات الأشياء و الألوان، و لعل الزرقة أقرب في تشكيل هذا التواجد و أسهل لربط العلاقة الطبيعية بين اللون وبين الفكرة الجزئية التي يحملها العنوان ومضمون النّص الذي يدعو إليه مشروع الرواية توجد رؤية لغوية ودلالة بصرية تتكئ على حيثيات إغرائية مؤثرة في المتلقي و تساعده على عملية الاختيار في تحديد النهايات الكثيرة و مَنطَقَة الأشياء و إن كانت هذه العملية تتطلب خبرة تجريدية في تأويل الرموز و الأيقونات لفك كثير من الألغاز التي تعترضه في متن النّص، و من هنا فإننا نكتشف أول رابط أو قصدية في هذا التجاور و التلاحق بين الألوان و العنوان و الإخراج بشكل عام معان و أفكار متكاملة .

فبعد اللون، يأتي اختيار الكلمات كعتبات حقيقية و لماذا هذه الكلمات بالتحديد (شرفات / بحر / الشمال) ،فهناك خطاب له استراتيجية تُكتشف في نهاية الرواية و بعد المرور بجميع المحطات التي أرسى معالمها الكاتب سلفا و اختار لها عتبات تحت عناوين مختلفة تتكئ على التدفق

الموزع بين فضاءات حقيقية، تجمع بين أماكن في المنفى و بين معالم هذه الأماكن التي تتخفى وراءها أسماء تاريخية لشخصيات متعددة حولها الكاتب بذكاء إلى رموز ذات علاقات مختلفة تتلاقى في عالم الكاتب تتقاطع و تتصارع فيما بينها مع شيء من التصرف الحكيم و الحذر الشديد، ثمان عتبات متعالقة، تشكل شبكة من البدايات المتجددة و النهايات المختلفة .

يتبع…

د/  السعيد موفقي