لم يكن بيننا تجانس في السن ولا حتى في الاهتمامات، ذلك لأنه يحدد مفهومه للثقافة بإبداع الشعر. بينما كاتب هذه الشهادة متعدد ولا يفهم الثقافة إلا شاملة. لقائي به كان بقصر الثقافة في عقد الثمانينات من القرن المنصرم. المكان: عنابة. شخصية هادئة يكاد يكون خجولا بعض الشيء. شاب يقول الشعر. شاعر؛ هذا جيد كانطباع بالنسبة لي الذي عرفت مجتمعيْن والكثير من الكتاب والكثير من كاتبي الشعر أيضا وهذا هو موضوعنا. والملفت بأن جل الشباب المبدع زمنها كان يكتب الشعر. جماعة شباب نادي الإبداع الأدبي وحتى اتحاد الكتاب كان به شعراء ولكن سنهم متقدم جدا كهول. ثم، وسط التفاعل الذي يتسم بالجدية في الكتابة وحتىفي الآراء والأفكار كان حسين زبرطعي متميز عن الجميع في نمط إبداعي يمتح من الجو الصوفي إن صح التشبيه. عبارته جزلة وصوره قريبة وذات كثافة تعبيرية ملفتة. كان الجو العام يغلب عليه نوع من التنافس حتى أن بعض الشباب استقال بنفسه عن اتحاد الكتاب وعن نادي الإيداع الأدبي وأسس لنفسه نمطا تجمعيا يجمعه التوجه والبيئة الواحدة والسن المتقاربة جدا. ولكن ورغم ذلك كان النادي الأدبي له الفاعلية الملفتة بتنشيط من بوقرة توفيق ورضا ديداني وعبد الناصر خلاف. كان هذا النادي يتوفر على بنية مشروع ثقافي. في تلك الفترة ازدهرت جلسات المقاهي مساءً وأحيانا حتى صباحا. كان الشاعر حسي نزبرطي يبدو بأنه لا يمت بصلة لهؤلاء ” كتاب المقاهي” الذين يفهمون الإبداع والثقافة عموما كلاما وهذرا ومقالب مقاهي إلى آخره من أمراض هذه الفئة التي يطلق عليها اصطلاحا: كتاب المقاهي. هو كما شخصيته الهادئة كان بسيطا في التواجد المهذار وفاعلا في التواجد التنشيطي. فاعل في ربط السلوك بمفهوم التواصل الذي يكون في الجهة الصحيحة أي المثمرة. وللتنويه لما جمعت أعمالا محددة لمجلة الاتحاف كملف ابداعي ضممته للمجموع لاسيما وقد كان التصحر ضاربا حيث انعكس سلبا على تواجد الدوريات وغيرها في السوق الثقافية ببلادنا بعد سقوط ثمن البترول. وقد كان من ضمن الشعراء الذين تضمنهم الملف في أواسط التسعينيات. وأذكر بأن العدد كان شهر فيفري. هذا إن لم تخني الذاكرة. هو لا يُزاحِم ولذلك كان مطبوعه من الكتب الشعرية ضئيلا جدا. وأمامي مجموعة وحيدة بعنوان: مخاوف. تتسم بمناخ هو نفسه ذلك الذي أعرف في إبداعه من بدايته شابا، يغلب عليه التكثيف والايجاز في العيارة مع صور إيضاحية، ثم في مقاطع صورها يغلب عليها مناخ الرمز كما” هناك تشهد ماء عوارضها / الطيور رسائل الله، كيف تدججني بالبريق؟ / وتنسى مخاوف تملؤني / عند عاصمة الأنبياء”. فهاهو عند حسين زبرطعي وضوح وليس امحاء، ترميز شفاف غير مبهم. وحقا المبدع في البداية وفي النهاية يمتح من تركيب نوازع شخصيته.

آرزقي ديداني