في الوقت الذي تحفل فيه مصر بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، تعلن منظمات حقوقية مصرية ودولية من وقت لآخر تعليق أو نقل أو وقف أنشطتها في القاهرة، احتجاجا على ممارسات نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يصفه حقوقيون بأنه الأكثر شراسة في ارتكاب الانتهاكات المختلفة.

والخميس الماضي أعلنت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات تعليق عملها الحقوقي بمصر حتى إشعار آخر؛ احتجاجا على ما وصفته بالإجراءات القمعية ضد العاملين في مجال حقوق الإنسان، ورفضا لاستمرار الاختفاء القسري للمدير التنفيذي للتنسيقية عزت غنيم، واعتراضا على حملة الاعتقالات الأخيرة التي طالت عددا من الحقوقيين، وكان من بينهم المتحدث السابق للتنسيقية محمد أبو هريرة.وسبقت هذه الخطوة إجراءات مماثلة، حيث أغلق مركز كارتر الأميركي -المعني بدعم التحول الديمقراطي في البلدان- مكتبه بالقاهرة في 16 أكتوبر 2014، مؤكدا أن السلطات المصرية تفرض قيودا متنامية ضد المجتمع المدني المصري والمنظمات الدولية.كما قرر مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في التاسع من ديسمبر 2014 نقل جميع برامجه الإقليمية والدولية خارج مصر، نظرا لما وصفها حينها بالتهديدات المتواصلة وغير المسبوقة على منظمات حقوق الإنسان.تلك المنظمات الحقوقية التي علقت عملها أو نقلت أنشتطها خارج مصر، أثارت مواقفها ردود فعل متباينة لدى الحقوقيين؛ ففي حين رفض البعض هذه الخطوة باعتبارها هدية مجانية لنظام يريد وقف أي عمل حقوقي، رآها آخرون خطوة في الطريق الصحيح، لأن وجود المنظمات يُجمّل وجه النظام، حسب قولهم. الباحث في قسم الشرق الأوسط بمنظمة هيومان رايتس ووتش عمرو مجدي أكد أن «الوضع الحقوقي الحالي في مصر مقلق للغاية، وقد ينذر بتبعات وخيمة للمجتمع ككل في حال استمرار سياسات السيسي نفسها»، لافتا إلى أن «كل يوم يمر يحمل تطورات سيئة جدا، خاصة بالنسبة لتقلص مساحة العمل الحقوقي، التي تكاد تكون شبه معدومة تماما الآن».وبحسب مجدي، فإن جميع المنظمات المستقلة تتعرض لتضييق وحصار شديد بصور مختلفة، حتى لو كانت تلك المنظمات مختصة بالعمل الخيري أو البيئي، خاصة أن قانون الجمعيات الجديد الصادر في 2017 لا يصرح للمجتمع المدني بأي عمل ميداني أو نشر أي أبحاث أو تقارير، كما أن النشاط اليومي للمنظمات يخضع لرقابة مشدّدة من السلطات، لا سيما الأجهزة الأمنية.ورأى أن قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017 أكثر قمعا من القوانين التي كانت في عهد الرئيس الأسبقحسني مبارك، أو حتى في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، لأن العقوبات الواردة في القانون تساوي بين من يعمل في المجال الحقوقي والإرهابيين؛ فالعقوبات المفروضة على الحقوقيين تصل للسجن خمس سنوات، وفق قوله.ويرى مجدي أن المجتمع الحقيقي والفاعل هو الضمان الأساسي والأهم في مواجهة الأفكار المتطرفة والتصدي لها بالطرق الصحيحة، وهو دور كانت تشارك فيه المنظمات الحقوقية عبر ورش العمل والمؤتمرات التوعوية.واعتبر أن تعليق عمل التنسيقة المصرية للحقوق والحريات حلقة في سلسة متصلة من الأحداث التي تنجم عن ضغط النظام على منظمات المجتمع المدني وأصحاب الرأي والمحامين، وفي ظل اعتقالات عشوائية وفبركة تهم لا أساس لها من الصحة.